واحة الثقافة

“الطائرة الورقية” حلما يتحقق بالموت

الشاهين الإخباري-فداء الحمزاوي
تصوير-علاء قداح

في عرضٍ يسبح بين الحلم والسقوط، بين الطفولة بوصفها براءةً أولى، والموت بوصفه مغامرة أخيرة، جاءت مسرحية “طائرة ورقية”، تأليفاً وإخراجاً لـ أحمد معاليقي، لتصنع عالماً فنتازياً هشّاً ومؤلماً في آنٍ معاً، عالماً تبدو فيه الطائرات الورقية أكثر صدقاً من البشر، وأكثر قدرة على فهم معنى الحرية.

منذ اللحظة الأولى، يفتح العرض أبوابه على دخان يملأ الخشبة، وسريرٍ بطابقين يقف في المنتصف كأنه صورة مصغّرة عن الحياة نفسها، الأعلى حلم، والأسفل استسلام، ومع الصوت القادم من بعيد، “هناك على هضبة بعيدة سرير من طابقين ينام على كل سرير طفل وطائرات ورقية”، يبدأ العرض وكأنه حكاية تُروى قبل النوم، لكنه سرعان ما يتحول إلى تأمل فلسفي عميق حول الطموح والخوف والخسارة.

يظهر عناد بن طريف بملابسه الصفراء في السرير العلوي، طفلاً مفعماً بالحياة، يحمل دميته وطائرته الورقية كما لو أنه يحمل قلبه نفسه. يركض، يلهو، يطير بخياله قبل طائرته، بينما يترك حسام يونس في السرير السفلي انطباعاً معاكساً تماماً، طفل يوقظه المنبّه لا الحلم، يسير مثقلاً بالنعاس، يجر خلفه هيكل طائرة خشبية غير مكتملة، وكأنها استعارة لإنسان اعتاد أنصاف الأشياء، وأنصاف الرغبات، وأنصاف الحياة.

العلاقة بين الطفلين لم تكن مجرد خلاف حول طائرة ضائعة وأخرى لا تطير، بل بدت مواجهة رمزية بين فلسفتين للحياة، الأولى تؤمن بالمغامرة حتى لو قادت إلى السقوط، والثانية تؤمن بالأمان حتى لو كان ثمناً للجمود.

الطفل الأصفر، الذي اختار السرير العلوي، بدا كمن اختار أن يعيش قريباً من السماء، من الطموح، من المخاطرة، حتى سريره لم يكن تفصيلاً ديكورياً عابراً، بل دلالة بصرية شديدة الذكاء على رغبته الدائمة بالصعود. أما الطفل الأزرق، الذي بقي في الأسفل، فكان أقرب إلى شخصية تتصالح مع القاع، وتبرر خوفها بالحكمة الزائفة، يستهزئ بالأحلام أحياناً، لكنه في العمق يحسد أصحابها.

النص، رغم بساطته ومباشرته، حمل أسئلة وجودية عميقة دون أن يصرّح بها. هل تستحق الأحلام أن نخاطر بحياتنا من أجلها؟ وهل الإنسان الذي يعيش بأمان لكنه بلا شغف، يُعدّ حيّاً حقاً؟
الطفل الأصفر لم يكن يبحث عن طائرة ورقية فقط، بل كان يبحث عن ذاته، عن دهشته الأولى، عن شيء يثبت أن الحياة أكبر من مجرد النوم والاستيقاظ وتكرار الأيام.

وفي المقابل، كان الطفل الأزرق يعيش داخل وهم مختلف، وهم الحكمة الباردة، يردد أن الحبال لا تهم، وأن الطائرات كلها له ما دامت في السماء، لكنه في الحقيقة لا يمتلك سوى طائرة خشبية عاجزة عن الطيران، تماماً كأحلامه المؤجلة.

أحد أكثر المشاهد كثافة جاء حين وقف الطفل الأصفر في مواجهة الريح صارخاً، “لماذا أخذتِ طائرتي؟”، وكأن السؤال موجّه للحياة نفسها. هنا يتحول فقدان الطائرة إلى فقدان للمعنى، ويتحوّل الرعد إلى تجسيد لخوف الإنسان من المجهول، ومن فكرة أن تضيع أحلامه بلا عودة.

النهاية حملت بعداً سريالياً وشاعرياً بالغ القسوة؛ حين يصنع الطفل الأصفر طائرةً من أجزاء سريره محاولاً الطيران بها، يقفز من الأعلى ويسقط بلا حراك، الموت هنا لم يُقدَّم كعقوبة، بل كثمن أخير للحلم، وبعد لحظات، يعود واقفاً وسط الدخان، فوق الغيوم، ليجد طائرته أخيراً ويرقص معها فرحاً، وكأن العرض يقول إن بعض الأحلام لا تتحقق إلا بعد أن نخسر كل شيء.

بصرياً، اعتمد العرض على اقتصاد ديكوري واضح، سرير فقط في منتصف الخشبة، لكنه كان كافياً ليحمل كامل الرمزية الفكرية للعمل. أما السينوغرافيا والإضاءة التي صممها يزن عيد فقد نجحت في خلق عالم ضبابي حالم، مدعوم بالمؤثرات الصوتية وصور الغيوم والأدخنة التي منحت العرض طابعه الفنتازي. كما لعبت الموسيقى التي وضعها قاصد إحسان دوراً حساساً في بناء الإيقاع النفسي للعرض، خصوصاً عبر النقرات الطفولية التي حملت براءةً مهددة دائماً بالانكسار.

أما إدارة الخشبة التي تولّاها أحمد إسماعيل وعزيز عوده، إلى جانب المخرج المساعد دانا أبو لبن، فقد حافظت على انسيابية الانتقالات داخل فضاء محدود بصرياً لكنه غني بالدلالات.

ورغم أن النص لم يحمل تعقيداً لغوياً أو عمقاً أدبياً كبيراً، فإن العرض استطاع أن يخلق عمقاً فكرياً من خلال الصورة المسرحية والرمزية البصرية، وربما تكمن قوته في هذه البساطة تحديداً،إذ جعل الفكرة قابلة للوصول إلى جمهور واسع، خصوصاً فئة الشباب.

ومع ذلك، كان بالإمكان تكثيف النص أكثر وشدّ بنائه الدرامي ليصبح أكثر تأثيراً داخل فضاء المسرح الجاد، لأن بعض الحوارات بدت مباشرة أكثر مما ينبغي مقارنة بغنى الفكرة الفلسفية التي يحملها العرض.

كما أن العمل يملك قابلية كبيرة للتقديم ضمن المسرح المدرسي لو جرى تبسيط رموزه الفكرية بصورة أكبر، خصوصاً أن مسرح الطفل يُعدّ من أصعب أنواع المسرح، لما يتطلبه من توازن دقيق بين المتعة والرسالة، وبين الخيال والوعي، في ظل الرقابة الحساسة على ما يتلقاه الطفل.

العرض، الذي قُدّم بإنتاج فريق سين للمسرح والدراما وبالتعاون مع مسرح الشمس، جاء ضمن فعاليات اليوم الرابع من المسار الشبابي السابع في مهرجان ليالي المسرح الحر الدولي، مؤكداً أن المسرح الشبابي ما يزال قادراً على طرح أسئلة كبيرة بأدوات بسيطة، وعلى تحويل طائرة ورقية صغيرة إلى استعارة كاملة عن الإنسان وحلمه الأبدي بالطيران.

زر الذهاب إلى الأعلى