واحة الثقافة

“الباب” صرخة أرواح مدفونة وحب يبحث عن شريان حياة في المقبرة

الشاهين الإخباري-فداء الحمزاوي
تصوير-علاء قداح

في عرضٍ يغوص في العتمة الأولى للإنسان، حيث الموت ليس نهايةً بل بوابةً ملتبسة بين الوهم والحقيقة، جاءت مسرحية “الباب”، من إخراج وسينوغرافيا حسن المراشدة، لتبني عالمها السيريالي داخل مقبرة فرعونية خانقة، تتقاطع فيها الرغبة بالحياة مع غواية الموت، ويتحوّل الحب إلى لعنةٍ أبدية تتكرر منذ آلاف السنين.

منذ اللحظة الأولى، يضعنا حسن المراشدة داخل فضاء بصري شديد الهيبة، تابوتان خشبيان يقفان عمودياً كأنهما حارسان لسرٍّ قديم، بينما يطلق هو نفسه، بوصفه الممثل أيضاً، صرخته الوجودية، “ليس من العدل أن يُدفن الحي مع الميت”، تلك الصرخة لم تكن احتجاجاً على الطقس الجنائزي فحسب، بل بدت كأنها مواجهة مباشرة مع فكرة الفناء، ومع تحوّل الحب إلى قبر مغلق.

اعتمد العرض على بناء طقسي احتفالي كثيف، الطبول، الموسيقى التصويرية التي نفذتها آية الخطيب، وحركة المجاميع التي ضمّت عبد الرحمن الجالودي وهاشم عبوشي وأيهم وصلاح، جميعها صنعت حالة أشبه باستدعاء أرواح من زمن سحيق، أما دخول حمزة أبو الغنم بزيه الغامض الممتد كخيمة جنائزية شفافة، برفقة كريس العزة والفراعنة الحاملين للتابوت، فقد منح المشهد بعداً ميتافيزيقياً، وكأن الخشبة تحولت إلى ممر عبور بين عالمين.

العلاقة بين شخصيتي حسن المراشدة وكريس العزة لم تُبنَ على الحب التقليدي، بل على الخوف المشترك من العزلة داخل الموت، هو رجل دُفن مع زوجته قسراً، وهي امرأة اختارت أن تُدفن مع حبيبها بدافع الوفاء، وبين الاثنين تنشأ علاقة رمادية تتأرجح بين الشفقة والرغبة، بين النجاة والاستسلام، الحوار بينهما بدا أقرب إلى مواجهة فلسفية حول معنى الحب، هل يبقى الحب في الجسد أم في الذاكرة؟ وهل يمكن للميت أن يظل أكثر حضوراً من الحي؟

وفي أحد أكثر المشاهد توتراً، حين يدفعها لفتح تابوت زوجها، لا يبدو الأمر فضولاً بقدر ما هو محاولة لتحطيم قداسة الموت، لكنه يكتشف تدريجياً أن الإنسان قد يتحلل من الداخل قبل أن يتحلل جسده، وأن فقدان المشاعر قد يسبق الموت نفسه.

الرمزية الأوضح في العرض تمثلت بـ”الباب”، الباب هنا لم يكن مجرد منفذ للخلاص، بل احتمالاً فلسفياً للعبور، عبور من الخوف إلى الحرية، أو من الوهم إلى الحقيقة، وعندما ينفتح الضوء فجأة كاشفاً الباب، يهرع حسن المراشدة نحوه بوصفه الخلاص الأخير، بينما ترفض كريس العزة المغادرة، لأنها أدركت أن الإنسان قد يعتاد سجنه حتى يصبح الخروج منه أكثر رعباً من البقاء داخله.

النهاية جاءت شديدة السوداوية والشاعرية في آنٍ معاً، حين تطلب منه أن يقتلها برفق، وتقوم بلفّه كما تُلفّ مومياءات الفراعنة، بدا المشهد وكأنه طقس حب أخير أو زفاف جنائزي مكتمل، لم يعد الموت هنا عقوبة، بل تحول إلى الشكل النهائي للاتحاد.

بصرياً، كان العرض مبهراً، السينوغرافيا التي صممها حسن المراشدة اهتمت بأدق التفاصيل، الجدران، التوابيت، الأزياء، وحتى توزيع الكتل البشرية على الخشبة، بينما لعبت إدارة الخشبة التي تولتها سيرين النجداوي دوراً واضحاً في الحفاظ على انسيابية الحركة داخل فضاء مزدحم بصرياً، كما أضفت الموسيقى التصويرية عمقاً حضارياً وتخيلياً على المشاهد، حتى بدت الأصوات وكأنها تنبع من جوف المقبرة نفسها.

إلا أن الإضاءة، رغم بعض اللحظات الموفقة، لم ترتقِ إلى مستوى الفخامة البصرية التي صنعها الديكور والموسيقى، كان بالإمكان توظيفها درامياً بصورة أكثر حساسية لخلق ظلال نفسية تكثف الصراع الداخلي للشخصيات، خصوصاً في مشاهد الباب والانهيار النفسي.

وفي تصريح للمخرج حسن المراشدة، أوضح أن العرض يكشف “عبثية الموت بين التمسك بالحياة والاستسلام للفناء”، وأن كل ما يحدث ليس سوى وهم يتكرر كل عام منذ آلاف السنين، امرأة تختار أن تُدفن مع زوجها حباً فيه، فتُعاد الحكاية إلى الأبد، هذه الرؤية منحت العمل بعداً من الواقعية السحرية، حيث الزمن دائري، والموت لا ينتهي بل يعيد إنتاج نفسه.

غير أن القراءة الدرامية للعمل فتحت تأويلاً آخر أكثر إنسانية، رجل وامرأة فقد كلٌّ منهما شريك حياته، ثم وجدا نفسيهما داخل قبر واحد، فاكتشفا أن الحب يمكن أن يولد حتى في حضرة الموت، وأن القلب قادر على النجاة والخيانة معاً، وكأن العرض يقول إن الحب لا يُدفن، بل يتحول، ثم يعود ليموت بطريقة أخرى.

ورغم قوة الفكرة والدهشة البصرية، بدا النص في بعض محطاته أقل عمقاً من العالم الذي حاول العرض خلقه. كان بالإمكان الذهاب أبعد فلسفياً ونفسياً في تفكيك ثنائية الحب والموت، ومنح الشخصيات طبقات أكثر تعقيداً توازي ثراء الصورة المسرحية.

جاء العرض ضمن فعاليات اليوم الرابع من المسار الشبابي السابع في مهرجان ليالي المسرح الحر الدولي في دورته ال21، مؤكداً حضور تجارب شبابية تراهن على الصورة البصرية والطرح الفلسفي، وتسعى إلى مسرح لا يروي الحكاية فقط، بل يفتح أبواب التأويل على مصاريعها.

زر الذهاب إلى الأعلى