
“هوما” تيه وضياع العمر في جسد ميت ولكنه يتنفس
الشاهين الإخباري-فداء الحمزاوي
في عرض “هوما” التونسي، الذي قُدِّم ضمن المسار الدولي من مهرجان ليالي المسرح الدولي في يومه الثالث، اختارت الكاتبة والمخرجة سيرين قنون، بالشراكة النصية مع حمدي حدة، أن تفتح خشبة المسرح على مواجهة وجودية بين الإنسان وذاته، بين ما يعيشه وما يظن أنه عاشه. عرض يقوم على تفكيك العمر بوصفه زمناً مُهدراً لا حياةً مكتملة، حيث يتحول “الوقت” من مفهوم مجرّد إلى شخصية درامية تحاكم الإنسان على تفاصيله الصغيرة قبل خطاياه الكبرى.
منذ اللحظة الأولى، حين ظهر الرجل الكبير في أقصى شمال الخشبة، وتقدّم الرجل الأربعيني من يمينها مبتسماً، ناظراً إلى الأعلى كمن يبحث عن شيء ضائع في السماء، بدا واضحاً أن العرض لا يسعى إلى سرد حكاية تقليدية، بل إلى صناعة محاكمة داخلية لإنسان معاصر يعيش في حالة انفصال عن ذاته، سؤال الوقت الذي افتتح الحوار لم يكن سؤالاً عابراً، بل مفتاحاً فلسفياً للعرض بأكمله، فالوقت هنا ليس ساعة تُقرأ، بل عمر يُستهلك.
بذكاء تهكمي، ينتقل النص من الحديث عن التدخين إلى الشوكولاتة، ومن المزاح اللغوي حول اسم “سعيدة” إلى سؤال الوجود نفسه، الرجل الكبير، الذي بدا كأنه شبح أو ضمير أو ملاك موت، يعلن ببساطة، “أنا والوقت والشوكولاتة غير موجودين”، لتبدأ الرحلة الحقيقية نحو كشف هشاشة البطل، فالرجل الذي يظن نفسه حياً، يكتشف تدريجياً أنه لم يعش فعلاً، وأن سنواته تآكلت بين النوم، والمرض، والانتظار، والعجز عن اتخاذ قرار.
القوة الحقيقية للنص ظهرت حين تحوّلت المحاسبة من العموميات إلى التفاصيل الدقيقة، عمر الابن لم يعد رقماً تقريبياً بل زمناً محسوباً بالثواني، وكأن العرض يقول إن المشكلة ليست في قصر الحياة، بل في عيشها بشكل تقريبي ومشوّش، هنا نجح النص في تعرية الإنسان المعاصر الذي يعرف كل شيء عن العالم، لكنه يجهل أبسط التفاصيل عن أقرب الناس إليه.
العرض أيضاً يشتبك مع قضايا اجتماعية وسياسية ودينية، لكن عبر سخرية سوداء تكشف تناقضات المجتمع؛ من التدين الشكلي، إلى الاستعراض الأخلاقي، إلى الاتجار بالقضايا الكبرى وعلى رأسها فلسطين من أجل “الترند”، وفي هذه النقطة تحديداً، حافظ المسرح التونسي مرة أخرى على حضوره العروبي الواضح، بوضع فلسطين داخل النسيج الدرامي بوصفها قضية وعي لا شعاراً عابراً، وهي بصمة تُحسب للعروض التونسية في السنوات الأخيرة.
أحد أكثر المشاهد قسوة وإنسانية كان عودة البطل إلى طفولته؛ هناك حيث تبدأ الهزيمة الأولى للإنسان العربي داخل البيت، الأم المتسلطة، التي تتحدث باسم الأب وتصادر رغبات الطفل واختياراته، لم تكن مجرد شخصية عائلية، بل رمزاً لبنية اجتماعية كاملة تُنتج أفراداً عاجزين عن سماع أصواتهم الداخلية. اعتراف البطل بأنه توقف عن سماع نفسه لأنه اعتاد تنفيذ ما تريده أمه، كان لحظة مكاشفة نفسية عميقة تفسّر انهياراته اللاحقة في الحب والزواج والأبوة.
وفي مشهد شديد الحميمية، حين وضع الشاب رأسه في حضن الرجل الكبير، ممسكاً بيده ومعيداً إياها إلى رأسه كلما سحبها، تحوّلت الخشبة إلى مساحة احتياج طفولي خالص، كان المشهد يقول إن الإنسان قد يكبر عمراً، لكنه يظل يبحث عن الطمأنينة الأولى التي حُرم منها، ثم ينتقل العرض بسلاسة إلى العلاقات الزوجية، كاشفاً كيف تتحول الحياة المشتركة إلى روتين بارد قائم على الإهمال، وتآكل التفاصيل، وغياب الإصغاء الحقيقي.
النص قدّم صورة مؤلمة عن زواج يقوم على إعادة إنتاج سلطة الأم؛ فالزوجة التي اختارها البطل بإرادة والدته لم تكن سوى نسخة أخرى عنها، لتستمر الحلقة ذاتها من السيطرة والشكوى والعجز، وهنا ينجح العرض في طرح سؤال خطير، هل نختار شركاءنا فعلاً، أم نعيد إنتاج جراحنا الأولى في أشكال مختلفة؟
أداء بحري رحالي وعبد المنعم شويات حافظ على إيقاع العرض رغم كثافة الحوار وطوله، واستطاع الممثلان التنقل بين السخرية، والانكسار، والفانتازيا النفسية بمرونة واضحة، كما أضافت الموسيقى التي صممها حمزة بوشناق حساً شعورياً داعماً للحالات النفسية، وإن بقيت السينوغرافيا التي صممها بلال بن رمضان متواضعة بصرياً مقارنة بطموح عرض دولي، مع اعتماد محدود على الدلالات البصرية والفضاء المسرحي.
أما مشهد “الكوبوي” في النهاية، فعلى الرغم من فرادته البصرية، بدا مفصولاً نسبياً عن النسيج الدرامي، وأقرب إلى إضافة استعراضية لم تخدم الحبكة بقدر ما شتّتت ذروتها. ومع ذلك، جاءت النهاية الذكية.
ومنذ البداية، استخدم العرض “التدخين” كرمز درامي يتكرر على امتداد الأحداث عبر جملة الرجل الكبير، “التدخين قاتل”، لم يكن المقصود التدخين بوصفه عادة صحية فقط، بل كاستعارة عن إنسان يستهلك عمره ببطء بالخوف والتأجيل والهروب من ذاته، حتى مشهد “الكوبوي” جاء كصدام أخير مع هذا الإدمان، قبل أن تنكشف الحقيقة في النهاية، العرض كله كان جلسة تنويم مغناطيسي داخل عيادة طبيب نفسي، والرجل الكبير ما هو إلا الطبيب الذي يختم الرحلة بجملته، “بعد خمس دقائق، عندما تستيقظ، ستنسى طعم الدخان”، لتتحول المسرحية من حكاية عن التدخين إلى مواجهة نفسية مع إنسان يبدد حياته دون أن ينتبه.
ورغم ما يحمله العمل من أفكار ثرية وأسئلة فلسفية عميقة حول الزمن، والندم، والهوية، والعلاقات الإنسانية، إلا أن الإطالة أضعفت أثره في أكثر من موضع. كان بالإمكان الوصول إلى تأثير أكثر كثافة وعمقاً لو اعتمد النص على الاختزال والدلالة البصرية بدلاً من الشرح المباشر والمونولوجات الطويلة. فالفكرة الأساسية للعمل قوية بما يكفي لتُقال بالصمت أحياناً، لا بالكلام فقط.
“هوما” ليس عرضاً عن رجل ووقته فحسب، بل عن جيل كامل يعيش الحياة بوصفها عادة يومية، ثم يكتشف متأخراً أنه لم يعشها حقاً.











