واحة الثقافة

ما يبقى بعد الجلد: في تشريح «الخياطتان»

الشاهين الاخباري – دعاء مأمون

ثمة لحظة في هذا العرض لن أنساها، وليست لحظة ذروة أو انفجار أو مواجهة. هي لحظة امرأتين تركضان. تركضان في سرداب مليء بجلود الموتى، وتضحكان كأنهما طفلتان في شارع لم تعرفاه منذ زمن طويل. في تلك اللحظة، اختفى المسرح. اختفى التمثيل والنص والإضاءة وكل الأدوات التي تقول لك عادةً «هذا عرض وأنت مشاهد». ما تبقّى كان شيئاً أصعب تسميةً وأطول عمراً في الذاكرة: حضور إنساني خالص، لا يُصنَع ولا يُدرَّب عليه، يحدث أو لا يحدث، وحين يحدث يُعلمك بفداحة غيابه في كل ما شاهدته قبله. «الخياطتان»، التي عُرضت على خشبة المسرح الدائري في المركز الثقافي الملكي في عمّان، نص الكاتبة الأردنية رغد دعسان وإخراج سارة أبو السعود وبطولة ريتا عكروش وسالي قصوص وهشام سويدان، عمل يبلغ هذه اللحظة ويعيش بعدها في مكان لا تصله المراجعة النقدية الباردة. وهذا وحده كافٍ لأن يُؤخذ العمل بجدية كاملة، حتى في لحظات عثراته.
قبل أن يبدأ الحوار، قبل أن تظهر وجه، قبل أي كلمة، تجد نفسك في دائرة. ليس صفوفاً متوازية تنظر كلها في اتجاه مسرح يواجهك، بل دائرة تحيط بالحدث وتجعلك جزءاً من محيطه. يُضاف إلى هذا الفضاء الدائري، الديكور الموحد طوال فترة العرض. هذه البساطة في التصميم، التي تمتد على كامل عرض المسرح، تُعزز الإحساس بالحبس والشمولية , هذا القرار المعماري — إن صح التعبير — ليس تفصيلاً جمالياً يُضاف إلى بقية الخيارات. هو يُعيد رسم العقد بين العرض ومن يشاهده. في الفضاء التقليدي يمكنك أن تنسى نفسك وسط الظلام المريح، تتفرج على آخرين يعيشون مأزقهم وتعود إلى الشارع نظيفاً. الدائرة لا تُتيح هذا. الدائرة تقول لك منذ البداية: لا يوجد خارج. أنت هنا مثلهم، تشاهد وتُشاهَد، والسرداب يضمّنا جميعاً. وفي سياق الحراك المسرحي الأردني المعاصر الذي يتجه بثقة نحو التجريب النفسي والعبثي، يجيء هذا العمل واحداً من أكثر التجارب وعياً بأدواتها وأصدقها في استخدامها. حين أدركت ذلك في أول دقائق الجلوس، أدركت أن من صمّموا هذا العرض يفهمون أن المسرح يبدأ قبل الستارة وينتهي بعد الخروج بمسافة.
وفي هذه الدائرة، إضاءة خافتة إلى درجة الضيق. ليست خافتة بمعنى الأناقة الجمالية، بل خافتة بمعنى أنك تُجبَر على أن تُنبّه عينيك وتُركّز، وأن ما لا يقع في دائرة الضوء يبقى مجهولاً ومقلقاً. الإضاءة في «الخياطتان» لم تُضئ المكان، هي حدّدت ما يُسمح لك برؤيته. وهذا الفرق جوهري، لأن السرداب الذي لا ترى أطرافه بالكامل أوسع نفسياً من السرداب المُضاء من كل جانب. الظلام حول دائرة الضوء يُوسّع الحبس لا يُضيّقه، ويُوحي بأن ما لا تراه أكبر وأثقل مما ترى. سارة أبو السعود اختارت أن تجعل الإضاءة طرفاً في الدراما لا خادمةً لها، وهذا قرار يصعب تنفيذه دون أن يبدو متكلفاً، لكنه نجح هنا لأنه جاء منسجماً مع روح النص الذي يشتغل هو أيضاً على ما لا يُقال أكثر مما يُقال.
على الجدار كتابات. ساعة مرسومة، أيام معدودة، خربشات من النوع الذي يتركه من لا يجد شيئاً يفعله غير أن يُثبت لنفسه أنه لا يزال موجوداً. هذه التفصيلة تعمل بطريقتين: الأولى واقعية، لأن الكتابة على الجدران فعل تاريخي موثق لكل من عاش في حبس، وهي تُرسّخ مصداقية الفضاء ومنطقه دون حاجة إلى شرح. والثانية أعمق، لأنها تقول ضمناً إن هاتين المرأتين ليستا الأوليين هنا ولن تكونا الأخيريتين، وأن السرداب يسبقهما ويتجاوزهما، وأن الحبس ليس حادثة بل نظام. الديكور في مجمله جاء بسيطاً دون أن يكون فقيراً، خالياً من الرموز الثقيلة التي تُعلن عن نفسها وتُعيق التخيّل. لا مرايا، لا أثاث فلسفي، لا استعارات ديكورية صاخبة. سرداب يشبه نفسه، وهذه الجرأة على البساطة في زمن يميل فيه كثير من المسرح إلى التزاحم البصري، هي بحد ذاتها موقف جمالي يستحق التوقف عنده.
ريتا عكروش تجلس خلف الماكينة وأمامها سلة الجلود التي لا تفرغ. الجلد مرئي، ملموس، حاضر بوصفه مادة لا يمكن التغافل عنها أو تجاهل فداحتها. هذا الحضور المادي الصريح للجلد هو أول قرار إخراجي يُوضح نيّة العرض: لا استعارة مُبهمة ولا رمز يحتاج فكّاً، بل واقعة جسدية تضعها الخشبة أمامك وتتركك تواجه دلالتها وحدك. صوت الماكينة مزعج، مرتفع، لا يتوقف. وهذا الصوت ليس ديكوراً صوتياً يُوفّر خلفية للحوار، هو حضور مستقل يتدخل في إيقاع المشهد ويُحدد توقيت الجمل. حين يتصاعد في لحظات الصمت، يُقول ما لا تقوله الشخصيات. حين يخفت حين يأتي الكلام المهم، يُشير إلى اتفاق ضمني بين المخرجة والنص على أن الصوت الآلي وصوت الإنسان في تنافس دائم، وأن الإنسان لا يتكلم إلا في الفجوات التي يمنحها له اشتغال الآلة.
عكروش لا تُؤدي شخصية، هي تسكنها. الفرق بين الفعلين ليس بلاغياً. الممثل الذي يُؤدي شخصية يظل في علاقة خارجية معها، يُمثّل حضورها من موقع المراقب لنفسه. الممثل الذي يسكن شخصيته يُلغي هذه المسافة ويجعل الحدود بين من يمثّل ومن يُمثَّل ضبابية إلى درجة أنك تتوقف عن التساؤل. في عكروش، الإحساس لا يظهر كأداء بل كحالة جسدية أصيلة. طريقة ضغطها على ماكينة الخياطة، طريقة نظرتها إلى الجلد، طريقة صمتها حين تختار عدم إكمال الجملة — «سأمضي عمري كله…» — كل هذه التفاصيل لا تبدو مُقرَّرة بل ضرورية، كأنها لا يمكن أن تكون بطريقة أخرى. وهذا الإحساس بالحتمية في الأداء هو أعلى ما يمكن أن يبلغه الممثل.
ما يستوقف في هذه الشخصية تحديداً هو ذلك المزيج النادر من التبلّد والإدراك. الخياطة الأولى تفهم وضعها بوضوح مُزعج، لا تخدع نفسها، لا تختبئ خلف أوهام. لكن هذا الوضوح لم يمنحها حرية الفعل بل زاد ثقل القيد. وعكروش تُقدم هذه المعادلة الصعبة — أن الوعي لا يُنقذ — دون أن تنزلق إلى تصوير الشخصية ضحيةً أو بطلةً. هي إنسانة تعيش حيث وضعها القدر وتختار داخل ذلك ما تستطيع اختياره، وهذا في النهاية هو أكثر الأوضاع الإنسانية صدقاً وإيلاماً في آن.
سالي قصوص تُقدم النقيض المُكمِّل لا النقيض المُعاكس. شخصيتها أقرب إلى الحافة، أسرع إلى الانفجار، تحمل داخلها شيئاً لا تريد أن تسمّيه لأن تسميته قد تعني الاعتراف بأنه لن يأتي. وقصوص تمنح هذه الطاقة الهشّة حضوراً جسدياً حقيقياً، تُوزّعها على تفاصيل الحركة والنظرة والاستجابة للآخر قبل أن تصل إلى الكلام. الكيمياء بينها وبين عكروش لا تُصنع في بروفات مكثفة وحدها، هي تحتاج أيضاً إلى شيء أقرب إلى التوافق الغريزي، إلى إحساس مشترك بإيقاع الآخر، وهذا ما كان حاضراً بوضوح. الأختان في هذا العرض تعيشان في نفس الزمن النفسي، تتنفسان بإيقاع واحد حتى حين تختلفان، وهذا ما يجعل مشهد الركض والضحك يبلغ ما يبلغه من صدق جارح. في تلك اللحظة تحديداً، حين انطلقتا تركضان في المسرح الدائري وكأن جدرانه تتسع فجأة لطفولة لم تمت بعد، نسيت أن ثمة جمهوراً يجلس حول المشهد. نسيت أنني أنا أيضاً جزء من هذه الدائرة التي لا مهرب منها. وهذا النسيان هو أثمن ما يمكن أن يمنحه مسرح لمن جاء إليه.
لكن المشهد الأخير لقصوص يستوقفني بسؤال لا أملك إجابته الحاسمة. حين تكتشف أن الجلد هو جلد من أحبّت، تصل اللحظة إلى ذروتها الدرامية المُفترضة. لكن ثمة شيئاً في طريقة تجسيد هذه الذروة يترك التباساً حقيقياً: هل ما رأيناه كان الاختيار الأمثل للحظة بثقلها الكامل؟ أم أن زحام المشهد حولها — الشجار، صراخ جورج، جريان الخياطة الأولى نحو الجلد لتحيكه بهستيريا مُرعبة — ابتلع هذه اللحظة وجعلها تبدو أصغر مما تستحق؟ السؤال مشروع لأن هذه اللحظة هي المحور الذي يُعيد تفسير كل ما سبقها: كل مرة شمّت فيها الخياطة الثانية الجلود وتخيّلت أصحابها، كانت في الحقيقة تبحث عن واحد بعينه دون أن تعرف. هذا الكشف يستحق فضاءً درامياً كافياً، وقد يكون الفضاء ضاق عليه في تلك اللحظة بالذات. ما يبقى بعد هذا التحفظ هو أن قصوص قدّمت عملاً متكاملاً ومتجانساً في مجمله، وأن ملاحظة واحدة على مشهد واحد لا تُقلّل من حجم ما أنجزته في الساعة السابقة.
وما يشتغل عليه هذا العمل في عمقه الأخير هو سؤال لا يطرحه صراحةً لأنه يعرف أن الصراحة ستُفسده: هل البقاء الذي يشترط تحويلك إلى أداة في آلة الموت هو بقاء حقيقي؟ الخياطتان لا تقتلان أحداً، لكنهما تُكملان دورة القتل بأيديهما كل يوم. يسلخ الجنود الجلود ويُلقونها في السرداب، فتُعيد الأختان تشكيلها لباساً لجنود جدد سيسلخون جلوداً جديدة. الدائرة لا تنكسر، والأخطر أن من يُدير الدائرة ليس وحشاً واضحاً بل إنسان محاصر يختار البقاء على الطريقة الوحيدة المتاحة له. وهنا يكمن القلق الحقيقي الذي يزرعه النص ولا يُعلنه: ليس الشر الصريح، بل الشر الضروري. الشر الذي لا تملك أن تُسمّيه شراً لأنك تفهم تماماً لماذا ارتُكب. الخياطة الأولى تعرف هذا وتحيك. الخياطة الثانية تعرف هذا وتشمّ. وكلتاهما تُواصلان، لأن التوقف لن يُوقف الدائرة، بل سيُخرجهما منها بالطريقة الوحيدة الممكنة.
هشام سويدان يحمل شخصية مكتوبة بخبث درامي حقيقي. جورج ليس شريراً بسيطاً يمكن كرهه بارتياح، وليس ضحية يمكن التعاطف معها بأمان. شخصية ضعيفة واضحة, و تقييمه هو شيء أكثر إزعاجاً: إنسان يُشخّص وضعه بدقة مُرعبة ولا يستطيع أن يفعل شيئاً يتجاوز هذا التشخيص. «خُلقت مجبراً لأكون من تحت الطاولة، عبداً للتقاليد والعادات بفم مكمّم وأعين عمياء» — هذه الجملة لرجل يعرف سجنه بالتفصيل ويعجز عن كسره. وهذا هو البُعد الأكثر رعباً في الشخصية: ليس الجهل بل الوعي العاجز.
تُضاف إلى هذه الأبعاد، قدرته على الصعود والنزول على الدرج الموجود في الديكور – وهو الديكور الواحد الممتد على طول وعرض المسرح – تُعطيه بعداً إضافياً من السيطرة والتحكم، حتى وإن كان هذا التحكم محدوداً ضمن فضاء السرداب. هذا الدرج لا يمثل مجرد عنصر ديكوري، بل هو رمز للحركة المتاحة له وحده، مما يبرز تفاوته عن المرأتين المحبوسين.
سويدان يفهم هذا الجوهر ويُقدّمه بإحساس حقيقي ولافت. حضوره في الفضاء الدائري يعمل بشكل خاص، لأن جورج رجل يشغل فضاءات أكبر مما يستحق ويعرف ذلك ويشعر بالحرج منه وبالحاجة إليه في آن. سويدان يحمل هذا التناقض الجسدي بوضوح في طريقة مشيته ووقفته وانتقاله بين الضعف والتسلط عبر جملة واحدة. لكنه في لحظات بعينها يميل إلى تضخيم الانفعال درجةً تجاوز ما يحتمله المشهد. والمبالغة في نص كهذا لا تُعمّق التأثير بل تُفصح عنه وتُفقده طبقته الثانية. حين يصرخ جورج أكثر مما تحتمل اللحظة، يخبرك كيف تشعر بدلاً من أن يترك لك الشعور تُنتجه بنفسك، وهذا ما يُفرق بين الأداء الذي يُكمل النص والأداء الذي يشرحه.
الكيمياء الجماعية بين الممثلين الثلاثة حقيقية ومحسوسة، لكنها أقوى بكثير في المقاطع التي تجمع الأختين وحدهما. حين يدخل جورج يتغير نوع التفاعل ويصبح أكثر تمثيلية وأقل عضوية، وهذا منطقي من حيث ديناميكية الشخصيات، لكنه يعني أن العرض يصل إلى ذروته الإنسانية في غياب جورج لا في حضوره.
النص الذي كتبته رغد دعسان يشتغل على ثلاث طبقات في آن، ونادراً ما يخلط بينها. الطبقة الأولى واقعية وملموسة: امرأتان محبوستان تعملان بالقوة على خياطة جلود الموتى لتصنعا منها لباساً للجنود. الطبقة الثانية نفسية: علاقة أختين بالبقاء وبالذاكرة وبالحياة التي كانت قبل هذا المكان وباحتمال حياة بعده. والطبقة الثالثة فلسفية: سؤال عمّا يبقى من الإنسان بعد فنائه وعمّا نصنعه بهذا الذي بقي.
ما يجعل الكتابة ناضجة هو أن دعسان لا تُفصل هذه الطبقات ولا تُعلن عنها. كل جملة تشتغل على أكثر من مستوى في آن. «هذا الجلد بارد، أظن بأن صاحبه قد كان خائفاً جداً» — هذه جملة واقعية تصف جلداً، ونفسية تُسقط على صاحبه المجهول مشاعر محددة، وفلسفية تقول إن آثار ما نشعر به لا تختفي بموتنا بل تبقى في ما نتركه. ثلاث طبقات في جملة واحدة قصيرة. هذا النوع من الكتابة لا يُكتسب بالتمرين فقط، هو يحتاج إلى سمع مدرّب يعرف الفرق بين ما يُقال وما يُوحى به وما يُضمر.
الحوار في الجزء الأكبر منه يرفض أن يشرح نفسه. الخياطة الأولى لا تُقدّم خطاباً عن وضعها، هي تعيشه بالجملة والحركة والصمت. وهذا ما يُميّز الكتابة المسرحية الحقيقية عن الكتابة الأدبية التي تُلبَس ملابس مسرحية: النص المسرحي الحقيقي يعرف أن ما لا يُقال أثقل وزناً مما يُقال، وأن الجسد والصمت والفعل يحملان ما تعجز عنه الجملة المكتملة.
لكن النص لا يسير بهذا المستوى طوال الوقت. جورج في بعض مقاطعه يصبح ناطقاً بأفكار النص أكثر مما يصبح شخصية تعيشها. خطابه عن الانتماء والوطن والهروب يحمل نبرة التصريح الأيديولوجي التي تتعارض مع الطريقة التي يشتغل بها النص في أفضل لحظاته. ليس لأن الأفكار خاطئة أو غير مبررة درامياً، بل لأن طريقة تقديمها تجعل الشخصية في تلك اللحظات أقل كثافةً وأكثر وظيفيةً. والفرق بين الشخصية الوظيفية والشخصية الكاملة هو الفرق بين شخصية تُقرّر ما تريد الكاتبة قوله وشخصية تتجاوز ما أُريد لها أن تقوله وتفاجئ كاتبتها نفسها.
الجلد في هذا النص هو الشخصية الرابعة الصامتة، وهذا ليس كلاماً استعارياً. الطريقة التي تتعامل بها الخياطتان مع كل قطعة جلد تُعيد تعريف علاقة الحيّ بالميت. لسن يعملن على مادة خام، هن يُحيين آثار أشخاص كانوا، يتخيّلن حياتهم من فتات ما بقي من جلودهم. هذا الفعل المتكرر يتراكم طوال العرض تراكماً هادئاً يجعل كشف المشهد الأخير — أن أحد الجلود هو جلد من أحبّت الخياطة الثانية — أمراً يُشعل ما تراكم لا حدثاً منفصلاً. كل مرة شمّت فيها الجلود وتخيّلت أصحابها، كانت تفعل شيئاً لم تكن تعرف أنها تفعله: تبحث.
اللغة الفصحى رهان صعب في المسرح المعاصر لأسباب كثيرة، أبرزها أن الفصحى تحمل معها تاريخاً من الاستخدامات الخطابية والرسمية التي تُنفّر الجمهور من الانتماء إليها. لكن دعسان تكتب فصحى غير رسمية، فصحى تبدو وكأنها تفكير لا خطاب، وهذا الفارق هو ما جعل اللغة هنا تعمل بدلاً من أن تُشكّل حاجزاً. حين تقول الخياطة الثانية «لم أنسَ كي أتذكّر» تجمع في خمس كلمات ما قد يحتاجه نص آخر فقرة كاملة، وهذا الاقتصاد اللغوي الذي يحمل أكثر مما يُفصح هو ما يجعل الفصحى هنا تبدو ضرورةً لا اختياراً. الهفوات النحوية القليلة التي ظهرت لم تُخلّ بهذا الانطباع لكنها تستوجب التنبيه لأن النص بمستوى لغوي كهذا لا يتسامح مع الإهمال في تفاصيله.
البنية الثلاثية للمسرحية لا تُقدّم تصاعداً درامياً بالمعنى الكلاسيكي — فعل يُقود إلى رد فعل يُقود إلى ذروة — بل تُقدّم طبقات متتالية للكشف عن حالة واحدة. المشهد الأول يُؤسّس العالم وشروطه ومنطقه. الثاني يُدخل عنصر الخارج ممثلاً بجورج فيكسر الحميمية الثنائية ويُدخل ديناميكية التفاوض والسلطة والمقايضة. الثالث يُفجّر ما تراكم دون أن يُوفّر إجابات. وهذه البنية تطرح على المشاهد نوعاً مختلفاً من التوتر: لا تتساءل «ماذا سيحدث لاحقاً؟» بل تتساءل «إلى أي حد يمكن لهذا أن يذهب؟» وهذا النوع من التوتر أصعب بناءً وأطول أثراً.
الإيقاع الداخلي للمشاهد يعمل بطريقة الضغط والإفراج. لحظات المواجهة الحادة تعقبها لحظات تبدو أكثر دفئاً لكنها في الحقيقة أكثر مرارة — الأختان تتذكران الركض والضحك والمشي في الشارع — وهذه اللحظات الدافئة هي أكثر ما يُؤلم في العرض لأنها تُعرّفك بما فُقد لا بما هو ماثل. التفاصيل التي يتشاركها الثلاثة وهم مستلقون جنباً إلى جنب — أمّ جورج وقهوتها، شجرة اللوز أمام النافذة، الدمية التي أرادت الخياطة الأولى اقتناءها — هذه التفاصيل تُعيد الأشخاص الثلاثة إلى ما كانوا قبل أن يصبحوا ما هم عليه، وهذه العودة القصيرة تجعل عودتهم إلى الواقع أقسى.
الموسيقى في «الخياطتان» صواب بالغياب. تظهر في لحظات محددة ثم تصمت، ولا تُصرّح بأحكام عاطفية على ما يجري. في زمن يُسرف فيه كثير من المسرح في الموسيقى التوضيحية التي تُقرر للجمهور كيف يشعر وتُغنيه عن صنع الشعور بنفسه، هذا الصمت الموسيقي الأغلب يمنح الجمهور مساحة الاستجابة الشخصية. حين تعلو الماكينة في لحظة الصمت الحاد وليس ثمة موسيقى تُفسّر اللحظة، يُصبح المشاهد شريكاً فاعلاً لا متلقياً سلبياً.
النهاية. هنا يتوقف كثير من النقاش حول هذا العرض. التجمّد الأخير: الخياطة الأولى تعمل على الماكينة في اللمبة الوحيدة، الخياطة الثانية تنظر إلى سلة الجلود، جورج يوجه سلاحه، لا أحد يتحرك، والصوت الوحيد هو الماكينة المزعجة التي لم تتوقف منذ أول المشهد الأول. هذه الصورة الأخيرة تبقى مع المشاهد لكنها تبقى معه كسؤال لا كجواب.
الغموض هنا حقيقي. ليس غموض النص الذي يترك تأويلات متعددة — ذلك غموض خصب — بل غموض الانتهاء بصورة لا تُحسم دلالتها الداخلية. من ينجو ومن يُقتل ولماذا الاختيار بين هذين أصلاً بعد كل ما جرى؟ هل عودة الخياطة الأولى إلى الماكينة هي نوع من المقاومة أم نوع من الاستسلام أم هي ببساطة استمرار الحياة المحاصرة التي لا تعرف شكلاً آخر؟ هذه الأسئلة لا تُجيب عنها الصورة الأخيرة، وهذا ليس دائماً عيباً — المسرح الكبير يترك أسئلة كبيرة — لكنه يصبح عيباً حين يُشعر المشاهد أن الالتباس ليس رؤيةً بل تأجيلاً لقرار لم يُتخذ. والإنصاف يقتضي القول إن هذا الالتباس بالذات هو ما يجعل العرض يعيش في الذاكرة طويلاً، يظل يُناقَش ويُعاد تأويله، وربما هذا الاستمرار في الذهن بعد انتهاء العرض هو شكل آخر من أشكال النجاح.
ما يمكن قوله بثقة هو أن «الخياطتان» يُقدّم تجربة لا تشبه ما اعتاد عليه المسرح العربي المعاصر في الغالب. ليس لأنها تُعلن القطيعة أو ترفع شعار الحداثة، بل لأنها تشتغل بهدوء على مستوى الإحساس في حين يشتغل كثير مما حولها على مستوى الإخبار. هذا العمل لا يمنحك رسالة تحملها إلى الخارج، يمنحك حالة تظل تسكنك بعد أن تمشي. الفرق بين مسرح يُخبرك بما يريد قوله ومسرح يجعلك تشعر بما لا يمكن قوله: هذا هو الفرق الذي يصنع المسرح الحقيقي ويميّزه من الأداء المتقن.
في نهاية الأمر، ما يبقى ليس الحبكة ولا الرسالة ولا حتى الأداء المتقن — رغم أن كل هذا موجود ومحسوس. ما يبقى هو تلك اللحظة حين ركضت امرأتان في سرداب مليء بجلود الموتى وضحكتا. لحظة لم يكن فيها مسرح ولا تمثيل ولا مشاهدة. كانت فيها الحياة فقط، عنيدةً ومُصرّة وغير عقلانية، تتحدى ما يحيط بها بالضحك لا بالخطاب. هذه اللحظة هي ما يُبرّر كل ما سبقها وما يتسامح مع ما جاء بعدها. لأن المسرح الذي يصل إلى لحظة كهذه ولو مرة واحدة في ساعة واحدة يفعل ما لم يستطع فعله كثير من المسارح في موسم كامل.
رغد دعسان كتبت نصاً يثق بذكاء من يقرأه. سارة أبو السعود أخرجت عرضاً يثق بحساسية من يشاهده. وريتا عكروش وسالي قصوص حملتا الثقلين معاً فوق خشبة لم تمنحهما هامشاً للخطأ. هذه الثقة المتبادلة بين النص والإخراج والأداء والجمهور هي ما يجعل «الخياطتان» عملاً يستحق أن يُشاهَد مرتين: مرة لأنك لن تفهمه بالكامل من المرة الأولى، ومرة لأنك حين تفهمه ستريد أن تشعر به مجدداً

زر الذهاب إلى الأعلى