
“غضب الجدّات” يعري الجوع والحدود ويبحث عن هوية
الشاهين الإخباري-فداء الحمزاوي
تصوير-نجلاء الصباح
ضمن المسار الدولي ومن فلسطين، وفي ثالث أيام مهرجان ليالي المسرح الحر الدولي، جاء عرض المونودراما “غضب الجدّات”، تقف الممثلة لقاء شرف وحيدةً على الخشبة، لكن الوحدة هنا ليست عزلة فردية، بل اختزالٌ لشعب كامل يعيش معلّقًا بين الهويّة والمنفى والحدود والأسئلة المؤجلة.
حقائب السفر المكدّسة، الكراسي الثلاثة، وعروسة اللبنة التي تحملها الجدّات في الذاكرة، جميعها تتحوّل إلى علامات مسرحية كثيفة تشير إلى حالة اقتلاع مستمر، وكأن الشخصيات لا تعيش في وطن بل في غرفة انتظار طويلة لا تنتهي.
النص الذي كتبته لقاء شرف بالشراكة مع ماشا سمعان لا يذهب نحو الحكاية التقليدية بقدر ما يشتغل على تفكيك معنى “الانتماء” نفسه، لقاء القادمة من الجولان السوري المحتل، لا تُقدَّم كشخصية درامية فقط، بل ككائن هشّ يحمل وطناً على كتفيه ويجرّه كحقيبة سفر ثقيلة، الجوع الذي تكرره الشخصية منذ بداية العرض ليس جوع الطعام وحسب، بل جوع الاعتراف، جوع الاستقرار، جوع الحياة الطبيعية التي تبدو مستحيلة تحت الاحتلال.
العرض يشتبك مع فكرة الهوية بوصفها عبئًا وجوديًا، فحين تضيع الهوية الشخصية، لا تضيع بطاقة رسمية فقط، بل يتصدّع تعريف الإنسان لنفسه، هنا يظهر “الشيطان” الذي تؤديه لقاء بانتقالات أدائية لافتة، كصوت داخلي يغويها بالتنازل، الجنسية الإسرائيلية مقابل حرية الحركة، النجاة مقابل الأرض، الفرد مقابل الجماعة.
هذا الصراع منح العمل أحد أكثر مستوياته عمقًا، لأن الاحتلال لم يعد مجرد جندي على الحاجز، بل فكرة تتسلل إلى الداخل وتحاول إعادة تشكيل الوعي والرغبات وحتى الأحلام.
تميّز أداء لقاء شرف بقدرة حسّية عالية، خصوصًا في انتقالاتها الدقيقة بين شخصية لقاء الواقعية وشخصية “الشيطانة” الساخرة والمحرِّضة، كانت تمتلك مرونة داخلية واضحة مكّنتها من تبديل الإيقاع النفسي والجسدي بسلاسة، فبدا أحيانًا أن الخشبة تضيق وتتسع تبعًا لتحوّلاتها النفسية.
إخراج ماشا سمعان حافظ على الطابع التجريدي للمونودراما، مع اعتماد واضح على الصورة الرمزية أكثر من الفعل المسرحي المباشر. غير أن العرض، رغم قوته الفكرية والوجدانية، وقع أحيانًا في التكرار والمباشرة.
فثيمات الوطن، التهجير، الاحتلال، والقمع طُرحت بشكل صريح ومتكرر إلى درجة أفقدت بعض المشاهد دهشتها الدرامية، وكان يمكن لاختزال بعض المقاطع وحذف فجوات الإطالة أن يمنح الإيقاع تماسكًا أكبر ويضاعف الأثر الشعوري لدى الجمهور.
من أكثر مشاهد العرض كثافةً ذلك المشهد الذي تواجه فيه لقاء السكرتير والسكرتيرة بملابسهما الرسمية ذات الألوان الفاقعة، وهما يمطرانها بالأسئلة والنماذج والطلبات، المشهد لم يُقدَّم بوصفه موقفًا إداريًا عابرًا، بل كصورة عبثية لبيروقراطية تسحق الإنسان ببرودها، كانا يشطبـان الكلمات من أوراقها بلا اكتراث، قبل أن يختفيا تدريجيًا خلف جدار متراكم من الملفات والأوراق، في استعارة واضحة لنظام يبتلع الأفراد داخل متاهة المعاملات والتصنيفات، ذلك الجدار لم يكن مجرد ديكور متخيَّل، بل رمزًا للفصل بين الإنسان وحقه الطبيعي في الحركة والانتماء والحياة
أما أصوات الجدّات الأربع في الخلفية، فقد شكّلت محاولة جميلة لتحويل الذاكرة الجمعية إلى حضور سمعي موازٍ، كأن الأمهات والجدّات يتكلمن من باطن الأرض أو من أرشيف الوجع الفلسطيني السوري، لكن المشكلة التقنية في وضوح الصوت أضعفت هذا الخط الدرامي، إذ ضاعت الكثير من الجُمل ولم تصل القصص كاملة، رغم أهميتها بوصفها العمود التاريخي الذي تستند إليه شخصية لقاء.
المشهد الذي تغزو فيه الخيام الزرقاء والبيضاء المكان يُعد من أكثر لحظات العرض قسوة تخيلياً، إذ يتحول الفضاء المسرحي فجأة إلى استعارة عن ابتلاع المكان الأصلي، وعن استعمار لا يكتفي بالأرض بل يفرض شكله ولونه وروايته على المشهد كله، صرخة لقاء هنا لم تكن احتجاجًا سياسيًا فقط، بل صرخة إنسان يرى ذاكرته تُمحى أمامه تدريجيًا.
وفي نهاية العرض، حين تجلس لقاء مجددًا على كرسيها، جائعة كما بدأت، يكتمل القوس الفلسفي للعمل: لا شيء تغيّر فعليًا، الحكاية دارت دورة كاملة وعادت إلى نقطة البدء،الجوع مستمر، الانتظار مستمر، والحلم بوطن طبيعي ما يزال مؤجلًا. لكن العرض، رغم كل هذا السواد، يترك نافذة صغيرة للأمل، وكأنه يقول إن الإنسان قد يُهزم يوميًا، لكنه يظل قادرًا على إعادة اختراع التفاؤل ولو بوصفه فعل مقاومة أخير.
ساهمت الموسيقى والتصميم الصوتي لـ عمرو مداح في خلق المزاج النفسي العام للعمل، بينما جاءت إضاءة محمد شاهين داعمة للحالة الشعورية، خصوصًا في الانتقالات بين الواقع والذاكرة والهلاوس الداخلية.
“غضب الجدّات” ليس عرضًا عن الاحتلال فقط، بل عن الإنسان حين يُجبر على حمل وطنه كندبة دائمة، وعن الهوية حين تتحول من حق طبيعي إلى معركة يومية للبقاء.











