واحة الثقافة

من المشنقة إلى الأرجوحة “الحبل” يعري ذاكرة المرأة

الشاهين الإخباري-فداء الحمزاوي
تصوير-نجلاء الصباح

في عرض “الحبل” اللبناني، لا يبدو الحبل مجرد عنصر سينوغرافي معلّق في فضاء المسرح، بل يتحوّل إلى استعارة وجودية كثيفة، حبل نجاة، وحبل مشنقة، وسرّة خفية تربط المرأة بتاريخ طويل من القمع والخوف والوصايا الاجتماعية، منذ اللحظة الأولى، حين ظهرت آن ماري سلامة مديرةً ظهرها للجمهور في عمق الخشبة، بينما يتدلّى حبلٌ معقود كالمشنقة، بدا العرض وكأنه طقس اعتراف طويل، أو محاكمة داخلية لامرأة وُلدت وهي تحمل وزر وجودها.

الفضاء الذي صاغته سينوغرافيا سيرين وهبي اعتمد على اقتصاد بصري شديد الذكاء، حبال متدلّية، سلّة قش، ضوء حاد، ومرجوحة تتحول من رمز طفولي إلى شاهد على هشاشة الذاكرة، كل شيء في المسرح كان معلقاً، كما لو أن البطلة نفسها تعيش في منطقة بين السقوط والنجاة.

النص الذي كتبته وأدّته آن ماري سلامة انطلق من السيرة الشخصية ليعبر نحو الوجع الجمعي للمرأة العربية. الطفلة التي ترجّت أمها ألا تكون “بنت”، لم تكن فرداً بقدر ما كانت صورة مكثفة لمجتمع يرى الأنثى خسارة منذ لحظة الولادة، الدمية التي سحبتها من تحت فستانها جاءت كاستعادة لطفولة مخبأة، طفولة لا تتذكر منها سوى الخوف والتهميش وسوء الحظ، حتى بدا أن البطلة تحمل لعنة غير مرئية، لعنة “المنذورة” كما تصف نفسها.

المثير في العرض أن المخرج هشام زين الدين لم يقدّم الحكاية بخط سردي تقليدي، بل جعلها تتشظى عبر التداعيات النفسية والاستحضارات الرمزية، فحين تظهر عبارة “الشهوة تُغوي النساء” وصورة الشيطان “اسموديس”، لا يعود الشيطان كائناً ميتافيزيقياً، بل يصبح تجسيداً للبنية الذكورية التي تزرع الخوف في جسد المرأة ورغباتها، حتى الأصوات المستحضرة من شخصيات مثل هيرودوس أنتيباس، وليزلي كارون، لم تكن مجرد إحالات ثقافية، بل أدوات لكشف كيف يتحوّل الجسد الأنثوي إلى ساحة مراقبة دائمة عبر الزمن.

العرض يشتغل على فكرة الوراثة النفسية والاجتماعية للقمع. الأم هنا ليست شريرة بقدر ما هي امتداد لبنية كاملة من الخوف والتناقض، تريد لابنتها أن تتعلم، لكنها تخشى نتائج هذا التعلم، لذلك بدا استحضار مقولة جبران خليل جبران “أولادكم ليسوا لكم” لحظة اصطدام بين جيلين، جيل يريد الحرية، وآخر يرى في الحرية تهديداً لبقاء العائلة نفسها.

كما أن إدخال شخصيات نسائية وتاريخية مثل كوكو شانيل، وأغريبينا والدة نيرون، ومارلين مونرو، لم يكن استعراضاً معرفياً، بل محاولة لربط معاناة البطلة بسلسلة طويلة من النساء اللواتي دفعت أجسادهن وأحلامهن ثمن المجتمع والسلطة والصورة العامة، حتى “الأمير الصغير” حضر كرمز لطفولة تبحث عن معنى في عالم بالغ القسوة، بينما جاء استحضار ألان ديلون بوصفه انعكاساً لصورة الرجل الجذاب المتعالي، الذي يخفي خلف أناقته نرجسية جارحة تشبه، بطريقة ما، قسوة العلاقات غير المتوازنة.

الجميل في العرض أنه فضح زيف الصورة الاجتماعية؛ فالمشاهير الذين ظهروا عبر الإسقاطات البصرية والنصوص المرافقة لم يكونوا نماذج للنجاح، بل شواهد على هشاشة الإنسان مهما علا شأنه، كانت البطلة تربط صورهم بأشخاص حقيقيين من حياتها، وكأنها تقول إن الألم لا طبقة له، وإن الشهرة ليست خلاصاً من الوحدة.

أداء آن ماري سلامة اتسم بجرأة انفعالية واضحة، خصوصاً في الانتقالات بين الطفولة والأنوثة والعلاقات العاطفية والفقد، كانت تتحرك أحياناً كطفلة تائهة، وأحياناً كامرأة تحمل ذاكرة مثقلة بالعنف الرمزي. غير أن العرض، رغم قوته الفكرية والبصرية، وقع في بعض الترهل النصي. فالتشظي السردي وكثرة الاستطرادات أضعفا الإيقاع في عدة لحظات، وكان تكثيف النص وإعادة ضبط منحنى الحكاية سيمنحان المتلقي تماسكا وتشويقاً أكبر.

ومع ذلك، يبقى “الحبل” تجربة مونودرامية تشتبك بعمق مع سؤال المرأة العربية داخل مجتمع يربّي أبناءه على الخوف أكثر مما يربّيهم على الحب، عرض يضع المتفرج أمام حقيقة مؤلمة، أحياناً لا تكون المشنقة حبلاً حول العنق، بل حياة كاملة معلّقة بين الرغبة بالظهور والخوف من أن يسمح لك الآخرون بأن تكون موجوداً.

وقد جاء العرض ضمن المسار الدولي لـ مهرجان ليالي المسرح الحر الدولي، مؤكداً حضور التجربة اللبنانية ضمن فضاء عربي يسعى إلى مساءلة القضايا الإنسانية والاجتماعية عبر لغة مسرحية معاصرة.

زر الذهاب إلى الأعلى