
“عرس الدم” ليلة زفاف زف فيها الحب بالنبيذ والدم
الشاهين الإخباري-فداء الحمزاوي
تصوير-نجلاء الصباح
ضمن المسار الدولي في اليوم الخامس من مهرجان ليالي المسرح الحر الدولي، جاء العرض المغربي «عرس الدم» بوصفه مرثية مسرحية للإنسان حين يصبح الحب ساحةً للثأر، وحين تتحول الذاكرة إلى لعنة تتوارثها الأجساد كما تتوارث الأرض دماء أصحابها.
المخرج ياسين أحجام لم يقدّم الحكاية باعتبارها قصة عشق تقليدية، بل بوصفها صراعاً وجودياً بين إرادة الحياة وسلطة الماضي، حيث لا أحد ينجو من ذاكرة الدم، ولا أحد يستطيع اقتلاع الخوف من جذوره العميقة في الروح.
افتتح العرض بعتمة كثيفة بدت وكأنها رحمٌ للموت، فيما ارتفعت ستارة بيضاء مضاءة في عمق الخشبة، لتخرج منها فتاة تتنفس اختناقها قبل أن تنطق كلماتها، منذ اللحظة الأولى، وضع العرض المتلقي أمام عالم مشروخ، عالم لا يبدأ من الحب بل من الخوف منه.
العريس «إيميليو» الذي جسّد شخصيته رضا بالنعيم بدا رجلاً يسير نحو قدره أكثر مما يسير نحو زواجه، بينما حملت الأم، التي أدّت دورها جميلة الهوني، ذاكرة الأرض المثقلة بالقتلى، فكانت شخصية تتحرك كأنها ظلٌّ لنساء الحروب اللواتي يدفنّ أبناءهن بأيديهن ثم يواصلن الحياة قسراً.
أما «كلارا»، التي أدّت شخصيتها قدس جندويل، فقد شكّلت القلب الإنساني الأكثر هشاشة في العرض، امرأة ممزقة بين الواجب والرغبة، بين صورة العروس التي يريدها المجتمع، والروح الحرة التي تحاول النجاة من القفص الاجتماعي، استطاعت قدس جندويل أن تمنح الشخصية بعداً شعورياً متوتراً، خصوصاً في لحظات الاختناق الداخلي والتردد بين البقاء والهروب، فبدت وكأنها امرأة تسير نحو مصيرها وهي تدرك مسبقاً أن الحب لن ينقذها.
أما «ليناردو»، الذي قدّمه منصف القبري، فلم يكن مجرد عاشقٍ منافس، بل بدا تجسيداً للرغبة المحرّمة، للرجل الذي يأتي من خارج النظام الاجتماعي ليهدمه، حاملاً معه العنب والنبيذ بوصفهما رمزين مزدوجين للحياة والفناء معاً، وفي كل مواجهة بينه وبين «كلارا» كان النص يقترب من سؤال فلسفي عميق، هل الحب خلاص أم كارثة؟، وهل الإنسان يختار مصيره حقاً، أم أن الدم القديم يختار عنه؟
العرض اشتغل على ثنائية الأرض والدم بشكل واضح، فالأرض هنا ليست مكاناً للخصب فقط، بل ذاكرة حيّة لا تنسى من سقاها بالنبيذ ومن خضبها بالقتل، لذلك جاءت الشتلة التي حملها العريس رمزاً هشّاً للأمل، بينما تحولت زجاجة النبيذ في يد الأم إلى استعارة دامية لذاكرة لا تتوقف عن النزيف، كانت الأم تدرك أن الزواج ليس بداية حياة، بل استكمالٌ لدائرة الموت نفسها، ولهذا بدا صوتها وكأنه نبوءة تتكرر طوال العرض.
مشهد هروب «كلارا» مع «ليناردو» شكّل الذروة الشعورية في العمل، إذ لم يكن هروب امرأة مع عشيقها فقط، بل تمرّداً متأخراً على مجتمع يفرض على النساء أن يعشن باعتبارهن امتداداً لشرف العائلة لا ذواتاً مستقلة،
لكن العرض، رغم انحيازه العاطفي للحب، لم يمنح شخصياته أي خلاص، فالجميع انتهى ضحيةً لما حاول الهروب منه، الموت هنا لم يكن عقاباً أخلاقياً بقدر ما كان قدراً تراجيدياً، وكأن الشخصيات جميعها تسير نحو نهايتها منذ اللحظة الأولى دون أن تملك القدرة على الانحراف عن الطريق.
سينوغرافيا ياسين الزاوي جاءت بسيطة ومباشرة، اعتمدت على الرموز البصرية الواضحة، طاولة، السرير، سلة العنب، الشتلة، الستارة البيضاء، وزجاجة النبيذ، لكنها لم تغامر بصناعة أبعاد بصرية أكثر تعقيداً تتناسب مع كثافة النص التراجيدية.
أما الجانب السمعي الذي تولاه خلاف الإدريسي فقد ساهم في تكثيف الإحساس بالاختناق والحداد الداخلي، حيث جاءت المؤثرات الصوتية كأنها صدى لذاكرة الشخصيات الممزقة، تعزز التوتر النفسي وترافق التحولات الدرامية الحادة بين الحب والموت.
وعلى مستوى التنظيم والإدارة، لعب ياسين البوقمحي دوراً واضحاً في حضور العرض ضمن الفضاء الدولي للمهرجان، بما يعكس جهداً متكاملاً خلف الخشبة لدعم العمل وإيصاله إلى جمهور عربي متنوع.
على مستوى الأداء، استطاع الممثلون خلق حالة وجدانية مشحونة، خصوصاً في المشاهد التي جمعت «كلارا» و«ليناردو»، حيث امتزج الرقص التعبيري بالألم الداخلي ليكشف عن صراع بين الرغبة والذنب والخوف، كما حمل أداء جميلة الهوني ثقلاً مأساوياً واضحاً، إذ بدت الأم وكأنها الناجية الوحيدة من خرابٍ لا ينتهي، فيما نجحت قدس جندويل في نقل التحولات النفسية لشخصية «كلارا» بين الخضوع والانفجار والندم.
ورغم قوة الحضور الدرامي، إلا أن استخدام اللهجة المغربية المحلية في بداية العرض خلق مسافة مع جزء من الجمهور العربي الحاضر من دول مختلفة، ما أثّر على تلقي بعض الحوارات والإشارات الشعورية. وفي عروض ذات طابع دولي، تبدو اللغة العربية الفصحى أكثر قدرة على توحيد التلقي وفتح النص أمام جمهور أوسع دون خسارة الحمولة الشعرية.
«عرس الدم» لم يكن عرضاً فلسفياً بالمعنى التجريدي، لكنه قدّم تراجيديا إنسانية مباشرة تشبه الواقع العربي في هشاشته وعنفه العاطفي، حكاية عن بشرٍ يحاولون النجاة من ماضيهم، فيكتشفون أن الماضي يسكنهم أكثر مما يسكن الأمكنة، وفي لحظته الأخيرة، حين انتهت الشخصيات إلى جثث وصراخ وصلوات ولعنات، بدا العرض وكأنه يقول إن الإنسان قد يهرب من البيت، من العائلة، من الحب، لكنه لا يستطيع الهرب من الدم الذي يحمله داخله.










