
“ضوء” انعكاس لغياهب الروح في صراع الهروب من الاكتئاب
الشاهين الإخباري-فداء الحمزاوي
تصوير-علاء قداح
في عرض “ضوء”، الذي قُدِّم ضمن المسار الشبابي السابع في اليوم الثاني من مهرجان ليالي المسرح الحر الدولي في دورته الـ21، تذهب المخرجة ريتا عكروش إلى منطقة شديدة الحساسية في النفس البشرية، منطقة العزلة التي لا تُرى، والاكتئاب الذي يتحول ببطء إلى غرفة مغلقة لا يدخلها الضوء إلا بوصفه تهديدًا.
منذ اللحظة البصرية الأولى، نجح العرض في خلق صورة شعرية آسرة، خيمة تتوسط الخشبة، لكن ما إن يُرفع البصر نحو أعلاها حتى تتحول إلى فستان هائل لفتاة تقف فوقها، وكأن الجسد نفسه أصبح بيتًا، أو ربما سجنًا قماشيًا يحتوي من بداخله، خلف القماش تتحرك ظلال بشرية بفعل الإضاءة، فتبدو الشخصيات وكأنها أرواح عالقة خلف جلد شفاف، لا نراها كاملة ولا تختفي تمامًا، هذا الاشتغال البصري، الذي صاغه فيصل العزة مع الإضاءة التي صممتها إيزابيل سابا، منح العرض إحدى أهم نقاط قوته، سينوغرافيا بسيطة في أدواتها، لكنها دقيقة في إنتاج المعنى، ومتناغمة مع هشاشة النص وقلقه الداخلي.
النص، الذي شاركت في تطويره كل من لينا عدناني وريتا عكروش ودينا م. صالح وبيسان جعاره وعايشة جمال علي، لم يتعامل مع الاكتئاب بوصفه حالة نفسية مباشرة، بل بوصفه عزلة وجودية، انفصالًا تدريجيًا عن العالم، وعن الضوء ذاته، ليلى الشخصية الغائبة الحاضرة، بدت كأنها استعارة للإنسان المنهك من مواجهة الحياة، الإنسان الذي يختبئ طويلًا داخل عتمته حتى يصبح الضوء فعل اقتحام مؤلم.
الحوار بين الشخصيات الثلاث حمل طابعًا دائريًا، أشبه بمحاولة مستمرة للتمسك بالحكاية كي لا يسقط الجميع في الفراغ، كانوا لا يريدون الموت، بل الاختفاء، وهي فكرة فلسفية شديدة القسوة؛ فالاختفاء هنا ليس نهاية الجسد، بل نهاية الإحساس بالهوية. أن يتحول الإنسان إلى “فكرة”، أو “أسطورة”، أو “مبدأ”، يعني أنه فقد قدرته على احتمال واقعه البشري.
وحين تُروى حكاية ليلى داخل الغرفة المعتمة، يتحول النص إلى استعارة شعرية عن الاكتئاب بوصفه خوفًا مرضيًا من الضوء. الشق الذي تسلل منه الهواء لم يكن مجرد فتحة في الجدار، بل كان احتمال النجاة، لكن الضوء، بالنسبة لروح اعتادت العتمة، لا يأتي دائمًا كخلاص، بل كصدمة تكشف هشاشة الكائن. لذلك “خرج الشوك من تحت جلدها”، صورة بصرية ولغوية مكثفة تعبّر عن الألم الكامن تحت السطح، الألم الذي يتخدّر مع الوقت لا لأنه اختفى، بل لأن الروح استنفدت قدرتها على الشعور به.
نهاية ليلى، حين تتحول إلى عصفور يطير نحو الشمس، بدت أقرب إلى خلاص صوفي منها إلى نهاية مأساوية. العرض لا يجيب إن كانت ليلى قد نجت أم احترقت، بل يتركها معلّقة بين الفناء والتحرر، بين الهروب والانعتاق.
على مستوى الأداء، استطاعت الممثلات ريتا عكروش وبيسان جعاره وعايشة جمال علي خلق حالة حسية اعتمدت على الحركة والإيماء بقدر اعتمادها على الكلمة، خصوصًا في مشاهد التلاعب بالقماش، حيث تحولت القطعة المتدلية من الخيمة إلى مساحة صراع صامت، كأن الشخصيات تتنازع على النجاة نفسها.
إلا أن العرض، رغم قوته البصرية والشاعرية، لم ينجُ بالكامل من بعض الالتباسات الدرامية. فغياب أسماء الشخصيات الثلاث وعدم وضوح دلالات هذا الإخفاء جعل المتلقي أحيانًا في حالة ارتباك تجاه هوية “ليلى”، هل هي شخصية مستقلة؟ أم أنها انعكاس لإحداهن؟ أم أن الجميع ليلى بصيغ مختلفة؟ ورغم أن هذا الغموض قد يُقرأ بوصفه مقصودًا لإضفاء طابع تجريدي، إلا أنه في بعض اللحظات تجاوز مساحة التأويل إلى مساحة الالتباس.
كما أن النص، في بعض مشاهده، بدا أقرب إلى التداعي الشعري منه إلى البناء الدرامي المتماسك، إذ اعتمد على الجمل الرمزية والانفعالات الداخلية أكثر من اعتماده على تطور الحدث، ما جعل الإيقاع يتباطأ أحيانًا لصالح الصورة البصرية.
ومع ذلك، يبقى “ضوء” تجربة مسرحية حساسة وذات بعد إنساني عميق، تحاول أن تضع الاكتئاب والعزلة تحت ضوء المسرح لا بوصفهما مرضًا فقط، بل كقدر وجودي يلتهم الإنسان بهدوء، إنه عرض عن أولئك الذين يخافون النور لأنهم اعتادوا العيش طويلًا داخل ظلالهم، وعن الأرواح التي لا تطلب النجاة بقدر ما تطلب أن يشعر أحد بأنها كانت هنا يومًا ما.










