واحة الثقافة

روح الفن .. “عرين أبو شاهين” تكتب و ترسم

الشاهين الإخباري – عرين أبو شاهين

الفنّ هو خروجٌ عن مسار المألوف، هو جمالٌ وذوقٌ وصياغةٌ أسلوبيّة وترجمةٌ وإفصاحٌ عن مكنوناتٍ ومشاعر متراكمة، تركيبةٌ من بناءات عقليّة وميكانيكيّة تصل في النهاية الى البناء الكلِّي للّوحة أو المعزوفة أو القصيدة.

الفنان إنسان حرٌّ مستقل متأمّل واثق، لديه فضول جامح لاكتشاف خبايا هذا الوجود، يمضي وقتاً طويلاً في التفكّر في عظيم صنع الخالق المصوّر لكلّ جميل، شخصيّته مزيج من الإبداع والاتّزان والعبقرية تارةً، والجنون والهوس تارةً أخرى، هو الشخص الذي يحتفظ طوال حياته بنصاعة وتلقائيّة انطباعات وأحاسيس الطفولة، وهو الشخص الذي لم تصبه البلادة ولم يتكيف أبداً مع هذا العالم، بل ينقل عليه في غير ما تعبٍ عينينِ بريئتينِ وشغفاً وعقلاً متجرّداً.

الفنان غارق في الجنة المؤنسة، حيث تتجلى أسرار الحياة الغامضة التي ليست أقلّ سراً وخفاءً من الفنّ ذاته، يجتذب بألوانه البراقة كلّ مظاهر الرقيّ والجمال، وكلّ فنان يصنع لنفسه بصمةً متفرّدةً في دنيا الفن.

ألوان الفنان لا تنتهي، قابلة للتمازج حيناً، وللتنافر حينا ًآخر؛ يمزجها على هواه، وفي كل حالاته وانفعالاته وتقلّبات مزاجه، صخب، هدوء، حزن أو فرح، لتذوب روحه وقلبه وسطَ طبيعة جذّابة يبدعها، ثرية الألوان ومتوازنة الكتل، أو امرأةٍ فاتنةٍ جالسةٍ على شرفة نافذة تحتسي فنجان قهوة، يدلّل أنوثتها بواسطة أنامله الخلّاقة ويزهو بمكامن الجمال الإلهي فيها، في سكون واستغراق، أو رسم تشكيلي ذو خطوط وشخبطات يعبر به عن بوح روح ووجدان.

إمّا أن يسافر بفوضى خياله الواسع إلى أرضيّة لوحته أو أن يحاكي -أي يصوّر- شيئاً موجوداً أمامه في شكل عمل فني مذهل، وحين يقيم معرضه يلفت بفنّه نظر المشاهد المتذوّق الذي يقف متأمّلا بدوره، ويغوص في أعماق اللوحة ليستشفَّ جمالاً لايدركه غالباً إلّا أصحاب الروح والإحساس المرهف فالصفات الخاصّة بهذا العمل أو الكائن المرسوم تصل من الخارج إلى عقل المتأمّل بطريقة قريبة من التأثير الضوئيّ وهو ينطبع في شبكيّة العين، وهذا ما يسمى الجمال المطلق عند أفلاطون، لهذا السبب يخبرنا علم الاجتماع بأن للفنّ وظائف نفسيّة واجتماعيّة اجتمعت عند المؤلّف والمتذوّق على حدٍّ سواء.

في عزلة تامة يباشر الفنّان برسم لوحة ما، وكثيراً ما يكاد “ينسى نفسه” وبعض تفاصيل يومه إلى أن يُنهي عمله على أتمّ وجه وعلى نحوٍ يرضيه، يصنع لنفسه جمالا في وسط قبح أوجدته بيئته وعالمه المضطرب القابع في زنازين مظلمة من اللهو واللغو والجهل المغرق.. لذلك فالفنان وحده يشعر بتعقيدات الحياة الملموسة فيسعى إلى الهروب منها لأنّ روحه تأبى الانصياع للأصنام والتكرار، فيمحو كل أثرٍ لروتين مقيت ويكسر عقله كلّ القيود ويحرر من الجمود القاتل، وكما يقال “حينما يكون الفن حياة تصبح الحياة فنّاً”.

زر الذهاب إلى الأعلى