
هل يتفكك حزب أتاتورك؟
القضاء يؤجج الصراع على الزعامة داخل المعارضة التركية
د. نعيم الملكاوي
محلل سياسي
تشهد تركيا واحدة من أخطر الأزمات السياسية داخل صفوف المعارضة منذ سنوات، بعدما تحولت الخلافات التنظيمية داخل حزب الشعب الجمهوري إلى مواجهة قضائية مفتوحة تهدد بتفكيك أكبر أحزاب المعارضة التركية، وربما بإعادة تشكيل المشهد السياسي برمّته قبيل الانتخابات المقبلة.
وقد تفجرت الأزمة عقب إصدار محكمة الاستئناف في أنقرة قراراً يقضي بإلغاء نتائج المؤتمر العام لحزب الشعب الجمهوري الذي عُقد عام 2023، وهو المؤتمر الذي أنهى زعامة كمال كليجدار أوغلو التاريخية للحزب، وأوصل أوزغور أوزال إلى رئاسته.
ولم يقتصر القرار القضائي على إبطال نتائج المؤتمر فحسب، بل تضمّن أيضاً إعادة كليجدار أوغلو رئيساً مؤقتاً للحزب، مع الدعوة إلى عقد مؤتمر جديد خلال أربعين يوماً.
غير أن ما يبدو في ظاهره إجراءً قانونياً، يخفي في جوهره أزمة سياسية عميقة داخل المعارضة التركية.
وتتمحور القضية الأساسية المعروضة أمام القضاء حول اتهامات بوجود مخالفات مالية وتنظيمية خلال مؤتمر الحزب، شملت مزاعم تتعلق بشراء أصوات بعض المندوبين، وتقديم وعود بالتوظيف والمناصب مقابل التصويت لصالح أوزغور أوزال.
كما أشارت التحقيقات إلى شبهات مرتبطة بغسل الأموال وتحويلات مالية يُعتقد أنها ارتبطت بعملية التصويت الداخلي.
وقد دفعت هذه الاتهامات القضاء التركي إلى فتح ملفات تحقيق واسعة داخل الحزب، انتهت بتوقيف عدد من الأشخاص المرتبطين بالمؤتمر، من بينهم مسؤولون محليون وقيادات حزبية.
في المقابل، يرى أنصار أوزغور أوزال أن ما يجري لا يندرج في إطار المسار القانوني الطبيعي، بل يمثل ما وصفوه بـ«الانقلاب القضائي» الذي تقوده السلطة التركية بهدف إضعاف المعارضة من الداخل، ولا سيما بعد النجاحات الكبيرة التي حققها الحزب في الانتخابات البلدية لعام 2024، وسيطرته على مدن رئيسية مثل إسطنبول وأنقرة وإزمير.
أما المشهد داخل المقر الرئيسي للحزب في أنقرة، فقد تحول إلى حالة من الانقسام الحاد، تخللتها اشتباكات وتدافع وإقامة حواجز بشرية، فضلاً عن حصار متبادل بين أنصار أوزال ومؤيدي كليجدار أوغلو.
وفي سابقة نادرة في تاريخ الأحزاب التركية، بات الحزب منقسماً بين «شرعية قضائية» يمثلها كليجدار أوغلو، و«شرعية سياسية» يتمسك بها أوزغور أوزال المدعوم من غالبية نواب الحزب.
واللافت أن الأزمة لم تعد مجرد صراع شخصي على الزعامة، بل تجاوزت ذلك إلى انقسام فكري واستراتيجي داخل المعارضة التركية نفسها.
فتيار كليجدار أوغلو يرى أن الحزب ابتعد عن هويته التقليدية، وأن التحالفات الواسعة مع القوميين والأكراد والإسلاميين أضعفت البنية الأيديولوجية التاريخية للحزب الكمالي.
أما تيار أوزال، فيرى أن الحزب لن يتمكن من منافسة رجب طيب أردوغان إلا من خلال تبني خطاب سياسي جديد أكثر انفتاحاً وشعبية، وبناء تحالفات أوسع.
وتزداد خطورة الأزمة مع استمرار سجن رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، الذي كان يُنظر إليه باعتباره أبرز مرشح محتمل لمنافسة أردوغان مستقبلاً.
ويرى كثير من المراقبين أن استهداف حزب الشعب الجمهوري في هذه المرحلة يهدف إلى إضعاف أي بديل سياسي قادر على تهديد هيمنة حزب العدالة والتنمية.
وقد وصفت الصحافة الغربية ما يحدث بأنه أخطر أزمة تواجه المعارضة التركية منذ احتجاجات غيزي بارك، فيما أعربت منظمات حقوقية أوروبية عن مخاوف تتعلق باستقلال القضاء ومستقبل التعددية السياسية في تركيا.
في المقابل، تؤكد الحكومة التركية أن القضاء يتمتع بالاستقلالية، وأن ما يجري لا يعدو كونه تطبيقاً للقانون على مخالفات انتخابية داخلية مثبتة.
وفي خضم هذا المشهد، يبدو أن حزب أتاتورك يقف أمام لحظة تاريخية فارقة:
إما أن ينجح في احتواء الانقسام وإعادة بناء وحدته الداخلية، أو أن يدخل في مرحلة من التفكك التدريجي قد تمنح أردوغان سنوات إضافية من الهيمنة السياسية.
وفي تركيا، عندما تصل الأحزاب إلى ساحات القضاء، فإن السياسة غالباً ما تكون قد تجاوزت حدود الخلافات الحزبية التقليدية، لتتحول إلى صراع يتعلق بمستقبل الدولة وتوازناتها السياسية.







