ما أشبه اليوم بالبارحة
ان حال الامة اليوم يشبه كثيرا حالها في العصور الغابرة المحزنة، تلك العصور المظلمة التي كانت بعد عصورها الذهبية الرائعة منذ صدر الاسلام حتى اواخر الدولة العباسية، صحيح ان النزاعات والصراعات الطاحنة على العروش اخذت اوجها، ولكن الله تعالى يسر لها من يعيدها الى سيرتها الاولى من مثل السلاجقة فالمماليك فالدولة او الخلافة العثمانية.
ولكن الشبة الاكبر بين حالنا اليوم وحال الاندلس الفردوس المفقود يوجب علينا ان ننتبه بكل احاسيسنا ونأخذ مما حدث لها من ويلات تقشعر لها الابدان، وهي ليست بعيده عنا ارضا او زمنا ففي قرون عدة بعد فتحها وتوطيد الحكم فيها، فإن حضارتها لم يكن لها مثيل وفي آخر عمرها وعندما تمزقت الى طوائف وعنصريات وراحت تتآمر على بعضها فإنها سقطت الواحدة تلو الاخرى، وتعرضت لويلات لم يشهد التاريخ له مثيل من محاكم التفتيش البغيضة، وضاعت الاندلس الى الابد. ونحن اذ نرى معالمها المتبقية وتأخذنا الدهشة والحيرة والندم على ما جرى، نقول لبئس ما فعل أبناؤها من تفريط وتقاعس وتناحر.
واليوم ها هي الامة تتناحر بأبشع صورة واقساها وامقتها، دون مبرر سوى الانصياع لأوامر الشرق والغرب الذين يمتصون دماءها وخيراتها التي لا مثيل لها، بينما يعيش معظم ابنائها عيشة الكفاف والجهل والمرض والضياع، والعالم ينظر اليها شذر مذر اذ هانت على الامم الاخرى فتكالبت عليها، ومزقتها واستعمرتها بأسوأ حال وانتزعت قلبها النابض الموحد لها بعد الحرمين الشريفين في الحجاز.. الاقصى.
لكن ثمة اختلافا بين حركة الشعوب الاسلامية قديما وحديثا مما يشكل الفارق الاهم في صيرورة الاحداث الجسام التي واكبت الامة، اذ لم تكن هناك حدود آثمة تعزز الانقسام والفرقة والضياع، ولم تكن الانفس تعبد المال والدنيا. وهناك شواهد لا حصر لها بذلك فعندما أسر الفرس امرأة عربية من العراق، راحت تستنجد بالقبائل العربية من قيس ويمن فثارت نخوة ابنائها وحرروها. وكلنا نذكر النصر المبين للامة على الفرس يوم ذي قار عندما وقفت القبائل العربية متناحرة معا ناسية خلافاتها كلها.
وكلنا نذكر الامرأة التي أهانها الروم فاستنجدت بالمعتصم فأرسل لها جيشا عرمرما فأحرق عمورية وانتصر لها. ونذكر الاقلية المسلمة في منطقة بحر قزوين التي أهانها حاكم الخزر اليهودي فبعث لها الخليفة العباسي ورقة يهدده فيها ان عادها، فلم يعد لمثل ذلك. ويقول المؤرخ الحمداني مؤرخ دولة بني حمدان التغلبية في حلب المجاهدة المدافعة عن حياض العروبة والاسلام ايام سيف الدولة الحمداني، لقد كانت هناك صراعات شديدة جداً بين بني قيس شمال العراق ومناطق حلب وبين بني تغلب ودواتهم الحمدانية، وعندما رأى بنو مرداس زعماء القيسيين هناك شرف ونضال الحمدانيين في صد البيزنطيين عن حياض الاسلام والعرب فإنهم انضموا تحت راية سيف الدولة الحمداني، وكانوا محاربين اشداء شجعانا، فانتزعوا بذلك الانتصارات المدوية، شامة في تاريخ الامة، وغير ذلك من قصص وموافق رائعة، علينا ان نتعلم منها، والا نبقى غثاء كغثاء السيل، سبة للتاريخ ولشرفاء الامم، فالتخلي عن واجب الاخوة والذب عن كرامة الامة هو العار والموت النفسي الزؤام، وجعل الله تعالى في التأمل في مخلوقاته وخلقة عبر وآيات ودروس، ولو نظرت لمخلوقات الله تعالى من طير وحيوانات وغيرها فإنها تأبى الذل والخسارة والانهزام وتدافع عن كرامتها لآخر قطرة دم، وان عجزت عن ذلك فإنها تخجل من نفسها وتتنحى عن ذلك حتى تستعيد قوتها وكرتها وكرامتها، وسجل العلماء كثيرا من مواقف تلك المخلوقات وهي تدافع عن بعضها حتى الموت وان النسر وهو ملك الطيور والتي تتخذ منه عدة دول شعارات لها ولعملتها، ان عجز عن الحياة ومنازلة الغير والحصول على قوته بشرف وقوة فإنه يرتفع نحو السماء لما لا يقل عن ثلاثة كيلومترات فيلقي بنفسة ويموت.
فماذا تقول الاجيال القادمة للامة تلك التي تمتلك كل المقومات لتعود الى مكانتها، لتقود الامم كلها كما بدأت في عصورها الذهبية، بالعودة الى السير قدما وبصدق كما بدأت باتباع منهج الله تعالى وركل الحدود المقيتة المعززة للفرقة والضياع وعبادة الدنيا وهوان النفس على حاملها وعلى غيرها من أمم الأرض كلها.







