أقلام حرة

المومني يكتب: شباب وطن وانتماء لترابه… حين يصبح الولاء للأردن هدفًا لحملات التشكيك

الناشط الشبابي والسياسي بشار المومني

ليست الوطنية شعارًا يُرفع في مواسم الخطابة، ولا الانتماء كلماتٍ تُقال في المناسبات، وإنما هما منظومة قيمٍ تُترجم إلى مواقف ومسؤوليات وسلوك يومي، تتجلى في الإخلاص للوطن، وصون مكتسباته، والدفاع عن استقراره، والإيمان بمؤسساته وقيادته. ومن هنا، فإن الولاء للأردن لم يكن يومًا موقفًا طارئًا أو خيارًا ظرفيًا، بل هو جزء أصيل من الهوية الوطنية التي تشكلت عبر تاريخ الدولة الأردنية ومسيرتها.

وفي هذا السياق، يبرز الشباب الأردني بوصفه أحد أهم مرتكزات الدولة الحديثة، وحاملًا لأمانة المستقبل، ومشاركًا فاعلًا في مسيرة البناء والتحديث. فهؤلاء الشباب لا يختزلون انتماءهم في العبارات الرنانة، بل يترجمونه إلى مبادرات، وأعمال تطوعية، ومشاركات مجتمعية، وإنتاج فكري وثقافي، وجهد متواصل يرمي إلى خدمة الأردن وتعزيز حضوره وصون هويته الوطنية.

إن الانتماء الحقيقي لا يقاس بارتفاع الصوت، وإنما بحجم العطاء، ولا يُختبر في أوقات الرخاء وحدها، بل يظهر في الثبات على المبادئ، وفي الاستعداد لتحمل المسؤولية، وفي الدفاع عن الوطن حين تتعرض صورته للتشويه أو تُستهدف روايته الوطنية. ولذلك، كان الشباب الأردني حاضرًا في مختلف الميادين، يكتب تاريخ وطنه بإنجازاته، ويحفظ ملامحه بأفكاره، ويصون هويته بإيمانه العميق بأن الأردن يستحق دائمًا الأفضل.

ولعل من أبرز ما يميز التجربة الأردنية أنها استطاعت، رغم محيط إقليمي بالغ التعقيد، أن ترسخ نموذجًا يقوم على الأمن والاستقرار وسيادة القانون، وأن تفتح أمام الشباب آفاقًا واسعة للمشاركة وصناعة المبادرات والإسهام في الحياة العامة. وهذا لم يكن ليتحقق لولا رؤية دولة تؤمن بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالإنسان، وأن تمكين الشباب ليس ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وطنية لبناء المستقبل.

ومن هذا المنطلق، جاءت الرؤية الإصلاحية التي يقودها جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، القائمة على توسيع مشاركة الشباب، وتعزيز دورهم في مختلف مسارات التنمية والتحديث، انطلاقًا من قناعة راسخة بأنهم شركاء في صناعة القرار، وحملة مشروع الدولة في مئويتها الثانية. ويجسد سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، هذه الرؤية من خلال حضوره المستمر بين الشباب، وإيمانه بطاقاتهم، ودعمه لمبادراتهم، وحرصه على أن يكونوا جزءًا أصيلًا من مسيرة الإنجاز الوطني.

غير أن هذا المشهد، بكل ما يحمله من إيجابية، لم يسلم من محاولات التشكيك التي تستهدف بعض الشباب المنخرطين في العمل العام، حيث لم تعد بعض حملات النقد تكتفي بمناقشة الأفكار أو تقييم المبادرات، بل تجاوزت ذلك إلى التشكيك في الانتماء والولاء، والتقليل من استقلالية المواقف، وافتراض أن كل تعبير عن الاعتزاز بالأردن أو الدفاع عن مؤسساته هو انعكاس لإملاءات أو توجيهات، لا ثمرة قناعة شخصية وإرادة وطنية حرة.

وهنا تبرز الحاجة إلى التمييز بين حق الاختلاف، وهو حق أصيل تكفله القيم الديمقراطية، وبين تحويل الاختلاف إلى أداة للتشكيك في وطنية الآخرين. فالوطنية لا تُحتكر، والانتماء لا يُمنح بصكوك، والولاء الصادق لا يحتاج إلى شهادة من أحد. كما أن الدفاع عن الوطن، والاعتزاز بقيادته، والإيمان بمؤسساته، لا يتعارض مع حق المواطن في إبداء الرأي أو طرح المبادرات أو المساهمة في تطوير الأداء العام، بل إن هذه الممارسات تشكل جوهر المواطنة المسؤولة.

إن الشباب الأردني الذي اختار أن يكون جزءًا من مشروع الدولة، وأن يسهم في ترسيخ الوعي الوطني، لن تثنيه حملات التشكيك عن مواصلة رسالته، لأنه يدرك أن خدمة الوطن ليست وسيلة لتحقيق مكاسب، وإنما واجب وطني وأخلاقي. كما يدرك أن قوة الأردن كانت، وستبقى، في وعي أبنائه، ووحدة صفهم، والتفافهم حول ثوابته الوطنية، وفي مقدمتها قيادته الهاشمية التي شكلت على الدوام صمام الأمان، وحملت مسؤولية الدولة بحكمة واتزان.

سيبقى الأردن، بقيادته وشعبه وشبابه، وطنًا تُصان فيه الكرامة، وتُحترم فيه التعددية، ويظل الانتماء إليه قيمة جامعة لا يجوز أن تكون موضع مزايدة أو تشكيك. فالأوطان لا تُبنى بالاتهامات، بل تُبنى بالإيمان، والعمل، والثقة، والمسؤولية. أما الشباب الذين آمنوا بالأردن، واختاروا أن يكونوا صوتًا له، وقلمًا يكتب روايته، ويدًا تبني مستقبله، فلن تزيدهم حملات التشكيك إلا تمسكًا بوطنهم، وإصرارًا على أن يبقى الأردن، كما كان دائمًا، وطن العزة، ودولة المؤسسات، ورايةً خفاقةً بالانتماء والولاء والإنجاز.

زر الذهاب إلى الأعلى