
حروب الطقس بين الحقيقة والوهم: هل تحولت السماء إلى ساحة معركة سرية؟
بقلم: أحمد علي بكري
لم يعد الحديث عن الطقس في العصر الحديث يقتصر على نشرات الأحوال الجوية أو توقعات الأمطار والعواصف، بل أصبح جزءاً من النقاشات السياسية والعسكرية والاستراتيجية التي تشغل الحكومات ومراكز الأبحاث ووسائل الإعلام. فمع تصاعد وتيرة الأعاصير المدمرة، والفيضانات غير المسبوقة، وموجات الجفاف الطويلة، وحرائق الغابات التي تلتهم ملايين الهكتارات سنوياً، بدأ سؤال قديم يعود بقوة إلى الواجهة: هل ما نشهده هو مجرد تغيرات طبيعية ناجمة عن التغير المناخي، أم أن الإنسان وصل بالفعل إلى مرحلة يستطيع فيها توجيه الطقس أو التأثير فيه وتحويله إلى سلاح خفي يستخدم في الحروب والصراعات الدولية؟
قد يبدو هذا السؤال للوهلة الأولى أقرب إلى أفلام الخيال العلمي أو نظريات المؤامرة المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي، إلا أن العودة إلى الوثائق العسكرية التي رفعت عنها السرية، وإلى الأبحاث العلمية المنشورة، تكشف أن فكرة استخدام الطقس كسلاح ليست خيالاً محضاً، بل كانت مشروعاً حقيقياً سعت إليه قوى عظمى منذ منتصف القرن العشرين. وبين الحقيقة والخيال توجد منطقة رمادية واسعة، يصعب على غير المختصين التمييز بين ما هو مثبت تاريخياً، وما يزال مجرد فرضيات علمية، وما لا يتجاوز حدود الشائعات.
بدأ التفكير العسكري المنظم في السيطرة على عناصر الطبيعة مع تصاعد الحرب الباردة، حين تحولت المنافسة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي إلى سباق في كل المجالات الممكنة، من الفضاء والأسلحة النووية إلى علوم البحار والطقس. وكانت الفكرة الجوهرية بسيطة في ظاهرها، لكنها هائلة في آثارها؛ فإذا استطاعت دولة ما أن تجعل المطر يهطل فوق أراضيها عندما تحتاج إليه، أو تمنعه عن خصومها، أو تحول أرض العدو إلى مستنقعات، فإنها ستكون قد امتلكت سلاحاً لا يترك آثاراً تقليدية ولا يمكن بسهولة إثبات مصدره.
وفي عام 1996 أصدرت القوات الجوية الأمريكية دراسة استراتيجية حملت عنوان “الطقس كمضاعف للقوة: امتلاك الطقس في عام 2025” (Weather as a Force Multiplier: Owning the Weather in 2025). لم يكن التقرير إعلاناً عن امتلاك الولايات المتحدة لقدرات خارقة للتحكم بالمناخ، بل كان دراسة مستقبلية أعدها ضباط ودارسون ضمن برنامج فكري للقوات الجوية، استعرضت سيناريوهات محتملة لما قد تسمح به التكنولوجيا مستقبلاً في مجال التأثير على البيئة والطقس لأغراض عسكرية. ومع ذلك، فإن مجرد صدور مثل هذه الدراسة عن مؤسسة عسكرية كبرى كان كافياً لإثارة اهتمام الباحثين، لأنه كشف أن فكرة “السيطرة على الطقس” كانت تؤخذ بجدية داخل الدوائر الاستراتيجية، حتى وإن بقي معظمها في إطار التصورات المستقبلية.
لكن جذور هذه الطموحات تعود إلى ما قبل ذلك بعقود. ففي ستينات القرن الماضي، ومع احتدام الحرب الباردة، صرح المستشار العلمي للرئيس الأمريكي ليندون جونسون بأن الدولة التي تمتلك القدرة على التحكم في الطقس قد تحظى بتفوق استراتيجي يفوق تأثير الأسلحة النووية. وعلى الرغم من أن هذا التصريح جاء في سياق الحديث عن الإمكانات المستقبلية للعلم، فإنه يعكس حجم الاهتمام السياسي والعسكري الذي كانت تحظى به تقنيات تعديل الطقس آنذاك، ويكشف أن فكرة تحويل الطبيعة إلى عنصر من عناصر القوة العسكرية لم تكن مجرد أحلام لدى العلماء، بل كانت جزءاً من التفكير الاستراتيجي للدول الكبرى.
ولم يمض وقت طويل حتى انتقلت هذه الأفكار من الورق إلى أرض الواقع في واحدة من أكثر العمليات العسكرية إثارة للجدل في التاريخ الحديث، وهي “عملية بوباي” (Operation Popeye). خلال حرب فيتنام واجه الجيش الأمريكي صعوبة كبيرة في قطع خطوط الإمداد التي كانت تمر عبر “طريق هو تشي منه”، وهو شبكة معقدة من الطرق والممرات تمتد عبر الغابات والجبال، استخدمها الفيتناميون لنقل الجنود والعتاد والإمدادات العسكرية.
بدلاً من الاكتفاء بالقصف التقليدي، لجأ المخططون العسكريون إلى فكرة غير مسبوقة تتمثل في استخدام السحب نفسها كسلاح. فمن عام 1967 وحتى عام 1972 أقلعت طائرات أمريكية متخصصة، من بينها طائرات WC-130، لتنفيذ عمليات تلقيح للسحب باستخدام يوديد الفضة ويوديد البوتاسيوم بهدف زيادة كمية الأمطار فوق مناطق محددة. وكان الهدف العسكري واضحاً؛ إذ تؤدي الأمطار الغزيرة إلى تحويل الطرق الترابية إلى مستنقعات طينية تعيق حركة الشاحنات والدبابات وتؤخر نقل الإمدادات لأسابيع وربما أشهر.
نفذت العملية بسرية تامة لسنوات، ولم يكن الرأي العام الأمريكي ولا المجتمع الدولي على علم بها، حتى كشفها الصحفي الاستقصائي سيمور هيرش في صحيفة نيويورك تايمز عام 1972. شكل الكشف صدمة كبيرة، ليس فقط لأن الجيش استخدم الطقس كأداة حرب، بل لأن العملية أثبتت عملياً أن تعديل بعض الظواهر الجوية المحلية أصبح ممكناً تقنياً، وإن كان ضمن حدود ضيقة وبشروط بيئية معينة.
ورغم أن نتائج العملية ما تزال محل نقاش بين الباحثين، فإن كثيراً من الدراسات تشير إلى أنها ساهمت في إطالة موسم الأمطار في بعض المناطق المستهدفة، لكنها لم تكن قادرة على تغيير مناخ منطقة كاملة أو صناعة عواصف من العدم كما تصور بعض الروايات الشعبية.
ولم يتوقف الطموح عند المطر. فقد حاول العلماء أيضاً إخضاع الأعاصير المدارية لسيطرة الإنسان من خلال مشروع بحثي ضخم عرف باسم “بروجكت ستورم فيوري” (Project Stormfury). كان الهدف يبدو أشبه بمحاولة ترويض وحش طبيعي هائل؛ إذ اقترح الباحثون أن يؤدي رش يوديد الفضة داخل جدار الإعصار إلى إعادة تنظيم بنيته الداخلية، مما قد يقلل سرعة الرياح ويضعف قوة العاصفة قبل وصولها إلى اليابسة.
شارك في المشروع علماء أرصاد وطواقم جوية كانت تحلق داخل أعين الأعاصير في ظروف بالغة الخطورة، في واحدة من أخطر المهمات العلمية في ذلك العصر. لكن بعد سنوات من التجارب والدراسات اتضح أن التغيرات التي لوحظت في بعض الأعاصير كانت تحدث بصورة طبيعية نتيجة دورة حياتها، وليس بسبب عمليات الرش، كما تبين أن تركيب السحب داخل الأعاصير لا يستجيب بالطريقة التي افترضها الباحثون في البداية.
وفي النهاية أعلن رسمياً إيقاف المشروع، وأصبح مثالاً كلاسيكياً على أن فهم الإنسان للغلاف الجوي، رغم تقدمه الكبير، ما يزال محدوداً أمام التعقيد الهائل للأنظمة المناخية.
وأثارت تلك التجارب العسكرية والعلمية قلقاً واسعاً داخل المجتمع الدولي، لأن نجاح أي دولة في استخدام البيئة كسلاح قد يفتح باباً لحروب يصعب اكتشاف منفذها أو إثبات مسؤوليته عنها. ولهذا اعتمدت الأمم المتحدة عام 1977 اتفاقية “حظر استخدام تقنيات تعديل البيئة لأغراض عسكرية أو عدائية” المعروفة باسم اتفاقية ENMOD.
حظرت الاتفاقية استخدام أي تقنيات تؤدي إلى إحداث تغييرات واسعة أو طويلة الأمد أو شديدة التأثير في البيئة بقصد إلحاق الضرر بدولة أخرى، سواء عبر إحداث فيضانات أو جفاف أو عواصف أو أي تغيرات بيئية كبيرة. ولم تمنع الاتفاقية الأبحاث العلمية أو الاستخدامات المدنية السلمية مثل الاستمطار، لكنها رسمت لأول مرة خطاً قانونياً واضحاً يفصل بين الاستخدام المدني والاستخدام العسكري لتعديل البيئة.
وفي العقود الأخيرة عاد الجدل بقوة مع انتشار الحديث عن مشروع “هارب” (HAARP) في ولاية ألاسكا الأمريكية، والمنشأة الروسية “سورا” (Sura)، اللتين أصبحتا محوراً لعدد هائل من نظريات المؤامرة على الإنترنت.
يعتمد هذان المشروعان على إرسال موجات راديوية عالية التردد إلى طبقة الأيونوسفير الواقعة على ارتفاعات شاهقة، بهدف دراسة تأثيرها في الاتصالات اللاسلكية والملاحة والأقمار الصناعية والأنظمة الرادارية. وتعد هذه الأبحاث ذات أهمية كبيرة للاتصالات العسكرية والمدنية، خصوصاً في ظل الاعتماد المتزايد على الأقمار الصناعية.
لكن مع مرور الوقت انتشرت ادعاءات تزعم أن هذه المنشآت تستطيع صناعة الأعاصير، أو التسبب بالزلازل، أو إشعال البراكين، أو التحكم في عقول البشر. ورغم الانتشار الواسع لهذه المزاعم، فإن المجتمع العلمي يؤكد باستمرار أن الطقس الذي يؤثر في حياتنا اليومية يتشكل داخل طبقة التروبوسفير القريبة من سطح الأرض، بينما يعمل هارب في الأيونوسفير على ارتفاعات تختلف جذرياً في طبيعتها الفيزيائية.
كما أن الطاقة التي ينتجها إعصار استوائي واحد أو عاصفة رعدية كبرى تفوق بملايين المرات الطاقة التي يمكن أن تبثها هذه المنشآت، وهو ما يجعل فكرة تصنيع إعصار كامل بواسطة محطة إرسال راديوية غير مدعومة بالأدلة العلمية الحالية. ومع ذلك، يواصل بعض الباحثين دراسة ما إذا كانت التغيرات الطفيفة في طبقات الجو العليا قد تؤثر بصورة غير مباشرة في بعض الظواهر الجوية أو في انتشار الموجات الراديوية، لكن لا يوجد دليل موثق يثبت إمكانية توجيه الأعاصير أو خلقها بهذه الوسائل.
وفي السنوات الأخيرة ظهر مفهوم جديد يحمل اسم “الهندسة المناخية” أو “الهندسة الجيولوجية للمناخ”، وهو يختلف جذرياً عن تعديل الطقس المحلي. فبدلاً من محاولة إنزال المطر في منطقة محددة، يسعى هذا التوجه إلى التأثير في مناخ الأرض كله من أجل الحد من آثار الاحتباس الحراري.
ومن أشهر المقترحات حقن جسيمات دقيقة من مركبات الكبريت في طبقة الستراتوسفير لتعكس جزءاً من أشعة الشمس إلى الفضاء، محاكاةً لما حدث بعد ثوران بركان بيناتوبو في الفلبين عام 1991، عندما انخفض متوسط حرارة الأرض مؤقتاً بسبب انتشار الرماد والجسيمات البركانية في الغلاف الجوي.
وقد ناقشت جامعات ومراكز بحثية عالمية، من بينها جامعة هارفارد، هذه الأفكار ضمن برامج بحثية، إلا أنها قوبلت بانتقادات واسعة، لأن أي تدخل واسع النطاق في النظام المناخي قد يحمل آثاراً جانبية غير متوقعة، مثل اضطراب الأمطار الموسمية أو التأثير في الإنتاج الزراعي أو نقل الأضرار من منطقة إلى أخرى.
ولهذا السبب ألغيت بعض التجارب المقترحة، ومنها مشروع SCOPEX، بعد اعتراضات من علماء البيئة ومنظمات المجتمع المدني، الذين حذروا من أن البدء بتجارب صغيرة قد يفتح الباب أمام سباق دولي لاستخدام الهندسة المناخية دون وجود إطار قانوني عالمي ينظمها.
إن أكبر المخاوف التي يطرحها الخبراء اليوم لا تتمثل في وجود دولة تمتلك “ريموت كنترول” للتحكم بالمناخ، بل في احتمال أن يؤدي أي تدخل واسع النطاق إلى نتائج غير متوقعة تتجاوز حدود الدولة المنفذة، لأن الغلاف الجوي نظام عالمي مترابط، وما يحدث فوق دولة قد يؤثر في قارات بأكملها.
وفي خضم هذا الجدل، يصبح من الضروري التفريق بين أربعة مفاهيم يخلط بينها كثير من الناس. أولها الاستمطار، وهو تقنية مدنية معروفة تستخدمها دول عديدة، ومنها المملكة العربية السعودية والإمارات والصين، بهدف زيادة احتمالية هطول الأمطار في ظروف جوية مناسبة، وليس صناعة السحب من العدم. وثانيها تعديل الطقس العسكري المحدود، وهو أمر ثبت تاريخياً في عملية بوباي خلال حرب فيتنام. وثالثها الهندسة المناخية، وهي مجال بحثي ما يزال في طور الدراسات والنقاش ولم يدخل مرحلة التطبيق العالمي. أما المفهوم الرابع فهو الادعاء بإمكانية التحكم الكامل بالمناخ وصناعة الأعاصير والزلازل والفيضانات بواسطة أجهزة سرية، وهو ادعاء لم تقدم أي جهة حتى اليوم دليلاً مادياً موثقاً يثبت صحته.
وفي النهاية، تبقى السماء واحدة من أعقد الأنظمة الطبيعية التي عرفها الإنسان. لقد تمكن العلم من فهم كثير من أسرارها، وحقق نجاحات في التنبؤ بالطقس والاستمطار ودراسة المناخ، لكنه ما يزال عاجزاً عن السيطرة الكاملة على القوى الهائلة التي تحكم الغلاف الجوي. ومع ذلك، فإن التاريخ يثبت أن الجيوش لم تتوقف يوماً عن التفكير في استغلال الطبيعة لتحقيق التفوق العسكري، وأن الطقس سيظل أحد أكثر ميادين الصراع غموضاً، لأنه السلاح الوحيد الذي قد يضرب بلا صوت، ويخلف دماراً هائلاً، بينما يقف الضحايا ينظرون إلى السماء، غير قادرين على الجزم إن كان ما أصابهم غضباً من الطبيعة، أم نتيجة لتدخل بشري محدود، أم مجرد تزامن غذّى الشائعات أكثر مما غذّته الحقائق.





