أقلام حرة

“حين سرقتنا الحياة من أنفسنا”

بشار عبدالمجيد المجالي

اليوم، وخارج حدود العاصمة، توقفت عند إشارة ضوئية لا تختلف كثيراً عن عشرات الإشارات التي نتوقف عندها كل يوم. لحظات عابرة، ننتظر فيها الضوء الأخضر لنكمل طريقاً اعتدنا السير فيه دون أن نلتفت إلى تفاصيله.وأكاد أجرم بأن هناك تفاصيل في جانب الطريق لم نحفظها رغم مرور ما بها يوميا، لكن هذه المرة، كان المشهد مختلفاً.
إلى جواري وقف باص  يقل مجموعة من الطلبة. لم يكن داخله نظام أو هدوء أو حتى انسجام. كانت الأغاني تتداخل مع التصفيق، والضحكات تتسابق مع الصيحات والصرخات. كل واحد منهم يغني لحناً مختلفاً، ويردد كلمات مختلفة، ويتحرك بطريقته الخاصة. فوضى كاملة لو نظرنا إليها بعين الكبار، أو على الأقل بعيون حياتنا الحالية.
في اللحظة الأولى، لم أجد وصفاً لها سوى أنها إزعاج.
لكن شيئاً ما حدث.
في ثانية واحدة فقط، انقلب المشهد من ضوضاء إلى ذكرى يرجع فيها الزمن للوراء بسرعة الضوء،
وجدت نفسي أنظر إليهم فلا أراهم هم، بل أرى وجوهاً أخرى غابت منذ سنوات طويلة. أرى أصدقاء الطفولة، وأرى مقاعد المدرسة القديمة، وأسمع ضحكات دفنتها الأيام تحت ركام المسؤوليات. فجأة، لم يعد ذلك الباص يحمل أطفالاً صغاراً، بل كان يحمل أعمارنا التي رحلت دون استئذان.
عقود كاملة مرت كأنها غمضة عين.
كبرنا.
كبرت معنا الأحلام، ثم تقلصت واختفت فجأة.
كبرت الطموحات، ثم اصطدمت بالواقع الممل المرير
كبرت المسؤوليات حتى أصبحت أثقل من قدرتنا على الاحتمال.
ووسط كل ذلك، ضاعت أشياء كثيرة لم ننتبه لفقدانها إلا بعد سنوات.
سرقت الحياة منا بساطتنا.
سرقت عفويتنا.
سرقت قدرتنا على الفرح بالأشياء الصغيرة.
حتى الوظيفة، التي حلمنا بها يوماً بوصفها باباً للاستقرار، تحولت عند كثيرين إلى سلسلة طويلة من الالتزامات والضغوط والمناكفات والجدالات اليومية التي تستهلك أعمارنا بل وأعصابنا بصمت.
في طفولتنا، كنا ننتظر شروق الشمس بشغف.
كنا ننام ونحن نفكر في مغامرات الغد. مباراة كرة في الحارة، أو رحلة مدرسية، أو أوقاتا في بستان قديم اعتدت وأقاربي للتواجد فيه، أو حتى لعبة بسيطة كنا نظن أنها أعظم ما في الدنيا.
كنا ومن شدة الحماس نستيقظ بلا منبه..ونجتمع في السوق بلا تنسيق برسائل الواتس أب او الاتصالات المسبقة.
أما اليوم، فأصبحنا ممن  يستقبلون الصباح وكأنه فاتورة جديدة يجب دفعها.
يستيقظون على قائمة طويلة من الالتزامات والهموم والاجتماعات والمواعيد المؤجلة.
لم يعد شروق الشمس وعداً بالمتعة كما كان، بل أصبح إعلاناً عن يوم آخر من الركض والهموم المسبقة.
والمؤلم في الأمر أن السنوات لم تأخذ منا العمر فقط، بل أخذت معها أشخاصاً كنا نظن أنهم سيبقون للأبد.
أصدقاء فرقتهم الطرق.
وأحبة غيبتهم المسافات.
وآباء وأمهات رحل بعضهم، فتركوا في أرواحنا فراغاً لا يملؤه شيء.
كلما تقدم بنا العمر، ازددنا نجاحاً في أعين الناس، نجاح مزيف لأنه يخلو من الروح، لكننا أصبحنا أكثر حنيناً في أعين أنفسنا.
نشتاق إلى نسختنا القديمة.
نشتاق إلى تلك الأرواح الخفيفة التي كانت تضحك من قلبها دون حسابات.
نشتاق إلى زمن لم نكن نملك فيه شيئاً تقريباً، لكننا كنا نشعر أننا نملك العالم كله.
وعندما تحركت الإشارة أخيراً، وانطلق الباص مبتعداً، شعرت أن جزءاً مني رحل معه.
لم أحسد أولئك الأطفال على أعمارهم الصغيرة، بل حسدتهم على شيء أكبر بكثير.
حسدتهم لأنهم ما زالوا يعيشون الحياة قبل أن تتعلم كيف تسرق منهم أنفسهم.
وكم هو مؤلم أن يكتشف الإنسان، بعد رحلة عمر طويلة، أن أكثر ما يشتاق إليه ليس مكاناً ولا شخصاً ولا زمناً،
بل ذلك الطفل الذي كانه يوماً، ثم أضاعه في زحام الحياة.
إهداء…
إلى كل صديق طفولة اقتسمنا معه رغيف الفرح قبل أن نعرف معنى الهموم، وإلى كل رفيق مدرسة جلس إلى جوارنا على مقاعد الدراسة وحمل معنا أحلاماً أكبر من أعمارنا، وإلى كل قريب شاركنا ضحكة صادقة أو موقفاً عابراً ما زال يسكن الذاكرة رغم مرور السنين…
إلى أولئك الذين صنعت معهم الأيام أجمل فصول العمر، ثم فرقتنا الطرق، أو شغلتنا الحياة، أو حالت بيننا المسافات.

زر الذهاب إلى الأعلى