
الشأن النخبوي المغلق والهم الفردي العام
المستشار الإعلامي / جميل سامي القاضي
يقول عالم السياسة الامريكي ” ميلبراث ” في نظريته للمشاركة السياسية إن المجتمعات تنقسم إلى ثلاث فئات : مجالدون يصنعون الفعل السياسي، ومتفرجون يكتفون بالمراقبة، ولامبالون انسحبوا من المشهد كله لكن هذا التصنيف ، رغم دقته في توصيف المجتمعات الغربية ، يبدو أكثر قسوة حين يسقط على واقعنا العربي، حيث تحول “الشأن العام” إلى شأن نخبوي مغلق ، بينما أصبح “الهم الفردي” هو القضية العامة الوحيدة التي تجمع الناس.
ففي كثير من الأحيان ، لم تعد السياسة ميدانا مفتوحا للمواطن كما ينبغي، بل تحولت إلى دائرة ضيقة تدور فيها الوجوه ذاتها والخطابات ذاتها، حتى بات المواطن يشعر أن الشأن العام لم يعد شأنه الحقيقي، بل شأن نخبة تتحدث باسمه أكثر مما تستمع إليه. وهنا تكمن المفارقة المؤلمة ، فبينما تتجه الإرادة السياسية العليا نحو توسيع قاعدة المشاركة السياسية ، وتمكين المواطنين والأحزاب والشباب من الانخراط في صناعة القرار، ما تزال بعض العقليات الضيقة تتعامل مع الشأن العام وكأنه امتياز حصري لا حق وطني مشاع.
إن التوجيهات الملكية كانت واضحة ومتكررة في الدعوة إلى تعزيز المشاركة السياسية ، وتوسيع دور الأحزاب ، وإشراك الشباب، والانتقال بالحياة العامة من النخبوية المغلقة إلى العمل المؤسسي القائم على التعددية والشراكة وتحمل المسؤولية ، لكن المشكلة لا تكمن دائماً في النصوص أو الرؤى ، بل أحيانا في الثقافة السياسية التي ما تزال تخشى المجتمع أكثر مما تؤمن به ، وتتعامل مع المشاركة الشعبية بوصفها عبئا لا ركيزة استقرار.
وفي المقابل، تمدد “الهم الفردي” حتى أصبح الهم العام الحقيقي لكل الناس. فالمواطن الذي يطارده الغلاء ، ويستنزفه القلق على لقمة العيش ومستقبل أبنائه ، لم يعد يملك رفاهية الانشغال بالشأن العام ، لأنه يشعر في كثير من الأحيان أن صوته لا يصل، وأن المسافة بينه وبين دوائر التأثير ما تزال بعيدة.
وهكذا انقسم المشهد بمرارة ، إرادة إصلاحية تدفع نحو المشاركة والانفتاح، وعقليات ما تزال تميل إلى احتكار المشهد والخطاب والقرار.
أما “المجالدون” الذين تحدث عنهم ميلبراث، فهم عندنا ليسوا دائما أصحاب مشاريع وطنية، بل كثيرا ما يتحول بعضهم إلى مجرد أدوات صخب موسمية، فيما تقف الأغلبية في موقع “المتفرج” الذي يراقب المشهد بلا دهشة، بعدما حفظ الوجوه والوعود والنهايات ذاتها. بينما تتوسع دائرة “اللامبالاة” كأخطر أشكال الاحتجاج الصامت، لأن المواطن حين يفقد ثقته بجدوى المشاركة ، ينسحب من الحياة العامة كلها، لا من السياسة فقط.
إن أخطر ما يهدد المجتمعات ليس اختلاف الآراء ، بل احتكارها. وليس تعدد الأصوات، بل اقصاؤها فالدولة القوية لا تبنى بجمهور صامت، ولا بشأن عام مغلق ، بل بمواطن يشعر أن له مكانا حقيقيا في صناعة القرار ، وأن الوطن ليس حكرا على أحد ، بل مسؤولية الجميع.
ويبقى السؤال: هل ننجح في تحويل المشاركة السياسية من شعار إلى ثقافة، ومن نخبوية ضيقة إلى ممارسة وطنية واسعة، أم يبقى المواطن عالقا بين شأن عام لا يشعر أنه يمثله، وهمّ فردي يلتهم يومه ومستقبله؟





