أخبار الاردنواحة الثقافة

“الخياطتان” حين تنسلخ الإنسانية وتتحول لأزياء الحرب

الشاهين الإخباري-فداء الحمزاوي
تصوير- علاء قداح
في عرضٍ مسرحيٍّ ينهش العتمة من الداخل، تقف الخيّاطتان أمام آلتي خياطة لا تحيكان القماش، بل تُرمّمان ما تبقّى من إنسانيةٍ مُمزقة تحت أنقاض الحرب، في مسرحية “الخياطتان”، اختارت المخرجة ساره السعود أن تجعل السرداب مكانًا رمزيًا للعالم بأسره، عالمٌ يُدار من الأسفل، حيث يتحوّل البشر إلى مواد خام تُستهلك في ماكينة النجاة.

منذ اللحظة الأولى، لا يبدو المكان مجرد غرفة خياطة، بل مقبرة حيّة تُدار بإيقاع المعدن وصوت الإبر، خيّاطتان تجلسان أمام جلدٍ مجهول المصدر، تتأملانه كما لو أنه بقايا ذاكرة بشرية، تتخيلان أن هذا الجلد ربما كان لجنديٍّ من زمن نابليون بونابرت، أو لطفلٍ لم يُمنح الوقت الكافي ليثبت براءته للحياة، هنا لا يعود الجسد جسدًا، بل وثيقة موتٍ تُعاد صياغتها داخل اقتصاد الحرب، حيث يتحوّل الإنسان إلى لباسٍ لإنسانٍ آخر ذاهبٍ نحو موتٍ جديد.

النص الذي كتبته رغد دعسان لم يتعامل مع الحرب بوصفها حدثًا سياسيًا، بل بوصفها ماكينة لسلخ الذات. الشخصيات لا تخاف الموت فقط، بل تخاف أن تُنسى، لذلك جاءت الجملة الأكثر قسوة في العرض كامنةً في الرعب من الاندثار، أن تستمر الحرب فوق الأرض بينما يذوب الضحايا تحتها دون أثر.

الخياطة العابسة، التي أدّت دورها سالي القسوس، لم تكن امرأة ناقمة بقدر ما كانت ضميرًا يرفض التكيّف مع الرعب. سؤالها، “هل يجب أن تكون خياطة تحيك جلود الموتى مبتسمة؟” لم يكن حوارًا عابرًا، بل إدانة أخلاقية كاملة لفكرة التعايش مع الوحشية، في المقابل، حملت ريتا عكروش هشاشة امرأة تتشبث بالذكريات كي لا تتحول بالكامل إلى آلة، حين تتحدث عن الحبيب المفقود الذي قد يكون جلده بين الجلود المكدّسة أمامها، يصبح الحب نفسه ضحية حربٍ لا تكتفي بقتل الأجساد، بل تعيد تدويرها.

أما شخصية الجندي التي قدّمها هشام سويدان فجاءت بوصفها انعكاسًا للإنسان المقهور داخل منظومة القمع، لا بطلاً ولا جلادًا خالصًا، يدخل حاملاً سلطةً ظاهرية، ثم يتكشّف تدريجيًا ككائن مذعور، أُجبر على القسوة كي يبقى حيًا، اعترافه بأنه كان يحلم بزراعة الزهور بينما يُجبر على العمل كـ”جزار تحت الطاولة” كشف التناقض العنيف بين الطبيعة الإنسانية وما تفرضه الحروب على البشر من تشوّه داخلي.

المشهد الذي تُقيّد فيه الخياطتان الجندي على الكرسي كان من أكثر لحظات العرض دلالة، إذ انقلبت السلطة فجأة، وتحوّل الجلاد إلى ضحية تمثيلية، بينما بدا الجميع أسرى داخل منظومة واحدة. حتى محاولات الهروب لم تكن سوى إعادة إنتاج لليأس، فإحدى الخياطتين صدّقت الوعد بالحرية، بينما واصلت الأخرى الخياطة كمن فقد إيمانه بأي خلاص، وكأن العرض يقول إن أكثر ما تقتله الحروب ليس الأجساد، بل إمكانية الأمل.

بصريًا، اشتغلت ساره السعود على خلق فضاء خانق يشبه الزنزانات النفسية، خصوصًا عبر رسومات الحائط التي استحضرت صور المساجين خلف القضبان، فبدا السرداب امتدادًا لسجنٍ وجودي لا لمكانٍ واقعي فقط، غير أن العرض، رغم عمقه الفلسفي، وقع أحيانًا في فخ الرمزية المفرطة، إذ إن فكرة “جلود الموتى” لم تكن واضحة بصريًا بما يكفي، واعتمدت بشكل كبير على الحوار لتفسيرها، ربما لو اقترب تصميم الجلود من الملمس الإنساني الحقيقي، أو حمل تشوهات وأطرافًا توحي ببقايا الجسد، لكانت الصدمة البصرية أكثر اكتمالًا، ولأصبح الرمز أكثر التصاقًا بالوعي لا بالشرح.

ورغم ذلك، يبقى العرض تجربة مسرحية مثقلة بالأسئلة الوجودية، لا بالأجوبة، فهو لا يناقش الحرب باعتبارها مواجهة بين جيوش، بل باعتبارها مصنعًا لإعادة تشكيل البشر نفسيًا وأخلاقيًا، الجميع هنا ينجو على حساب شيءٍ منه، الجندي يقتل كي لا يُقتل، والخياطتان تخيطان جلود الموتى كي لا تتحول جلودهن إلى مادة خام في اليوم التالي.

وقد جاء هذا العمل ضمن افتتاح مهرجان ليالي المسرح الحر الدولي في المركز الثقافي الملكي، ضمن المسار الشبابي في دورته السابعة تحت ادارة الفنان كرم الزواهرة، ليؤكد أن المسرح حين يذهب نحو المناطق المعتمة في النفس البشرية، يصبح أكثر من عرضٍ فني؛ يصبح مرآةً مخيفة لما يمكن أن يفعله الخوف بالإنسان.

شارك في صناعة هذا العالم المسرحي كلٌّ من المدرب والمشرف الصوتي أحمد إسماعيل، ومصمم الديكور أنس سلعوس، ومؤلف الموسيقى إيهاب الخليلي، والمصورة أماني عادل، ومصمم البوستر معاوية باجس، إضافة إلى التدقيق اللغوي الذي أنجزته كرستينا كافدو، ليخرج العرض كصرخة جماعية ضد انسلاخ الإنسان من ذاته تحت وطأة الحرب.

زر الذهاب إلى الأعلى