
“تماثيل زجاجية” تسجن الإنسان في ماضي أسلافه
الشاهين الإخباري-فداء الحمزاوي
تصوير-نجلاء الصباح
في عرض “تماثيل زجاجية”، الذي قُدِّم ضمن المسار الشبابي السابع في اليوم الثاني من مهرجان ليالي المسرح الحر الدولي في دورته ال21، حاولت المخرجة وكاتبة النص آية الخطيب أن تفتح بابًا واسعًا على سؤال الإرث الإنساني، لا الإرث بوصفه مالًا أو اسمًا عائليًا، بل باعتباره تراكماً خفياً للندوب، والخوف، والخراب النفسي الذي ينتقل من جيل إلى آخر دون أن يراه أحد بوضوح.
منذ اللحظة الأولى، بدا الفضاء المسرحي وكأنه معبر بين الوعي واللاوعي، طاولة تحمل قوارير زجاجية تقف خلفها “لورا” التي أدّت دورها آية الخطيب، تنعكس الأضواء على الزجاج كما لو أنها تُلمّع ذاكرة مثقلة بالأشباح، فيما ترتسم على وجهها ملامح دهشة متأخرة، دهشة من يكتشف أن الخراب كان يقيم معه منذ البداية، بالقرب منها يقف “توم” الذي أدّى دوره كريم بن عمر، متورطًا في ذات الحيرة الوجودية، بينما تجلس “أماندا” التي جسدتها كريس العزة تمشط شعر دمية التصق رأسها بكرسي، في صورة بدت أقرب إلى استعارة بصرية عن الإنسان العالق داخل ذاكرته، غير القادر على الانفصال عن أدوات ألمه.
العرض لم يكن يسير وفق حبكة تقليدية، بل اعتمد على بناء تشظّي، تتقاطع فيه الحركات الاستعراضية مع الجمل الفلسفية المتناثرة، وكأن الشخصيات تتحرك داخل حانة روحية مهدّمة، لا داخل مكان واقعي، الشاب الذي ظهر في منتصف الخشبة، بحذائه الفردي وحقيبته، بدا ككائن خرج من حطام داخلي، يسأل، “أيها السادة، أهذه حانة؟”، وكأنه يبحث عن مكان ينتمي إليه داخل عالم فقد تعريفاته كلها.
النص حاول أن يشتبك مع فكرة القناع الاجتماعي، مع ذلك الجزء الوحشي والمقموع داخل الإنسان، والذي يتم دفنه تحت طبقات من التهذيب والخوف. ولهذا جاءت عبارة “هذا ليس أنت” لتكون لحظة مفصلية، حين تردّ فتاة الطاولة: “إنه القناع… إنه أنا”، هنا تتجلّى الفكرة الفلسفية الأعمق في العرض، الإنسان لا يخفي قبحه لأنه غير موجود، بل لأنه جزء أصيل منه، جزء ورثه وتعلّم إخفاءه.
أما الطفل الذي ادى دوره علي الخطيب والحذاء الأحمر الصغير، فقد كانا يحاولان تمثيل صدمات الطفولة بوصفها الإرث الأكثر رسوخًا، الحذاء ينتقل بين الشخصيات كما لو أنه أثر جريمة قديمة أو ذاكرة جمعية ملعونة، والجميع ينظر إليه بخوف، لا لقيمته المادية، بل لأنه يحمل تاريخًا غير مرئي من الألم، غير أن هذه الرمزية، رغم أهميتها، بقيت غائمة ومبهمة بصريًا ودراميًا، إذ لم ينجح العرض في بناء دلالة واضحة للحذاء أو لشخصية حمزة أبو الغنم التي ظلّت معلقة بلا تعريف حقيقي حتى نهاية العرض، الأمر الذي جعل حضورها جميل لكن مجهول، خاصة انه لم يكن وهما بل شخصية حقيقية داخل المشهد.
وفي جانب آخر، بدا أن العرض وقع أحيانًا في فخ المبالغة التعبيرية، فالصراخ المتكرر والانفعالات الحادة لم تكن دائمًا مبررة دراميًا، ما أفقد بعض اللحظات قوتها، إذ تحوّل التوتر النفسي من أداة تعبير إلى حمل زائد على المشهد، فالمسرح العبثي أو الرمزي لا يستمد قوته من الضجيج، بل من قدرته على خلق القلق الداخلي لدى المتلقي.
كذلك، لم تستطع السينوغرافيا، التي حملت توقيع آية الخطيب وحسن المراشدة، أن تكون شريكًا فعليًا للنص، فرغم محاولتها خلق فضاء بصري مضطرب، إلا أنها لم تُفعّل الرموز بما يكفي، ولم تمنح العناصر الأساسية كالكرسي، والزجاج، والحذاء، ورأس الدمية العمق البصري القادر على تحويلها إلى علامات مسرحية مكتملة الدلالة.
ومع ذلك، فإن “تماثيل زجاجية” يبقى تجربة تحاول بجرأة أن تغوص داخل هشاشة الإنسان المعاصر، ذلك الإنسان الذي يحمل داخله تاريخًا كاملاً من الخسارات الموروثة، ويعيش عمره محاولًا إخفاء تصدعاته خلف أقنعة متعددة. فالعمل، رغم ارتباكه الرمزي وبعض ثغراته الإخراجية، يطرح سؤالًا وجوديًا بالغ القسوة، هل نحن نعيش حياتنا فعلًا، أم نعيد تمثيل آلام من سبقونا؟












