
من ينتظر واهما يموت واقفا “سراب” وصحراء العبث
الشاهين الإخباري-فداء الحمزاوي
تصوير-نجلاء الصباح
في عرض “سراب”، المستلهم من عوالم صموئيل بيكت، وتحديدًا من نصوص “في انتظار جودو” و”نهاية اللعبة” و”الأيام السعيدة”، يذهب المخرج المعتمد المناصير إلى أقصى مناطق العبث الإنساني، حيث يتحول الانتظار إلى قدر، والخوف إلى سجن، والوهم إلى لغم يبتلع العمر كاملًا، وقد جاء العرض في اليوم الثاني من مهرجان ليالي المسرح الحر الدولي ضمن مسار العروض الدولية، ليقدّم تجربة بصرية وفلسفية ثقيلة بالأسئلة الوجودية والقلق الإنساني.
منذ اللحظة الأولى، يبتلع الظلام الخشبة. صرير صرصار الليل، عويل الذئاب، أنين المزمار، وأصوات الحيوانات التي تتردد في الفضاء، كلها صنعت حالة سمعية كثيفة جعلت الصحراء تبدو ككائن حي يراقب البشر بصمت قاسٍ. وسط هذا الخراب السمعي والبصري، خرج الممثلان عمر أبو غزالة والمثنى القواسمة بملابس عسكرية وحقائب ثقيلة، يحملان كشافات ضوء صغيرة أمام اتساع العتمة، وكأن الإنسان لا يملك في مواجهة مصيره سوى هذا القدر الضئيل من النور.
العرض لا يتحدث عن الحرب بوصفها مواجهة عسكرية، بل بوصفها حالة وجودية طويلة من التعليق. الجندي الذي يتجمد فوق لغم محتمل لا يصبح أسير أرضٍ مفخخة فقط، بل أسير فكرة، أسير خوف، أسير احتمال، وهنا تتجلّى الفكرة الفلسفية الأعمق في العمل، الإنسان قد يقضي حياته كاملة سجين وهم لم يتحقق أصلًا.
حين يهوي أحد الجنود بفعل الانفجار، لا يتعامل العرض مع الموت كحدث نهائي، بل كصورة متكررة ومراوغة، الجثة تعود مرارًا في أماكن مختلفة، تُنهش، تختفي، ثم تعود للحياة، وكأن الموت نفسه فقد يقينه. هنا برز حضور الممثلين رسول الفيومي ومحمد العمري وأحمد ذيب ويزن الحواجري الذين شكّلوا الكائنات الغامضة التي تنهش الجثث وتلتف حول الشخصيات، في أداء جسدي كثيف منح العرض بعدًا كابوسيًا، وكأن الصحراء نفسها تتحول إلى وحش يلتهم من يضل طريقه فيها.
أداء عمر أبو غزالة حمل العبء النفسي الأكبر في العرض، خصوصًا مع إلزام الشخصية بالثبات في بقعة واحدة طيلة الزمن المسرحي تقريبًا، هذا الثبات خدم جوهر الفكرة بوصفه استعارة عن العجز والانتظار، لكنه في المقابل فرض عبئًا جسديًا واضحًا على الممثل، وأدخل المشهد أحيانًا في حالة من الجمود البصري، كان يمكن للمخرج أن يبحث عن حلول إخراجية أخرى تمنح الإحساس ذاته دون أن يصبح الجسد نفسه مقيدًا فعليًا بهذا الشكل المستمر.
أما المثنى القواسمة، فقد قدّم شخصية متحولة ومراوغة، تتنقل بين الصديق، والجلاد، والساخر، والمرآة النفسية للبطل، ظهوره بزي السائح الملون، وهو يشرب الماء أمام الجندي العطش، كان من أكثر اللحظات قسوة وسخرية، إذ تحوّل الاحتياج الإنساني البسيط إلى أداة إذلال، هنا يصبح العبث أكثر وحشية، لأن الإنسان لا يُحرم فقط من النجاة، بل من كرامته أيضًا.
النص يتكئ بوضوح على فلسفة الانتظار العبثي. الجميع ينتظر “القائد”، ذلك الكائن الغائب الذي لا يأتي أبدًا، فيما تتراكم العظام حولهم كتاريخ طويل لمن ماتوا وهم ينتظرون الخلاص، الجملة التي تقول “كل من انتظروه ماتوا” تختصر روح العرض بأكمله، فالخلاص المؤجل يتحول مع الوقت إلى مقبرة جماعية للأمل.
السينوغرافيا التي صممها المعتمد المناصير كانت واحدة من أبرز عناصر قوة العرض. الرمال التي غطّت الخشبة، الدخان، الإضاءة، المؤثرات الصوتية، وتفاصيل الفضاء البصري، كلها خلقت صحراء نفسية خانقة أكثر من كونها مكانًا جغرافيًا. كما لعبت الموسيقى التي ألّفها مراد دمرجيان دورًا مهمًا في تكثيف الشعور بالتيه والوحدة، بينما ساهم تنفيذ الديكور والإكسسوارات والخدع الذي حمل توقيع معتز كرامة في بناء هذا العالم القاسي بصريًا.
كذلك لعب الفريق الفني والتقني دورًا أساسيًا في الحفاظ على هذا الإيقاع البصري والسمعي المعقّد، عبر جهود كفاح قباجة ورمزي جاد الله وأمجد المراشدة وأحمد الساحوري ومكرم كفاوين، حيث أسهم التنسيق التقني والإضائي والصوتي في تثبيت الحالة العبثية الثقيلة التي احتاجها العرض.
ورغم قوة الصورة المسرحية، إلا أن العرض وقع في مطب الإطالة، فزمن العرض الممتد خلق لحظات ملل واضحة لدى الجمهور، خصوصًا مع تكرار بعض الحوارات والدوران حول الفكرة ذاتها دون تطور درامي حقيقي، كان بالإمكان اختزال عدد من المشاهد والجمل النصية، الأمر الذي كان سيمنح العمل كثافة أكبر ووقعًا أكثر حدة، بدل الشعور أحيانًا بأن بعض اللحظات جاءت كحشوات زمنية لا تضيف ضرورة فعلية للنص أو للحبكة.
كما أن مشهد الشموع، رغم جماله البصري، لم يحمل دلالة واضحة بما يكفي داخل البناء الرمزي للعرض، فبدا وكأنه صورة جمالية أكثر منه عنصرًا يخدم الفكرة الرئيسية، وفي المقابل، فإن استخدام الرمال، رغم ضرورته البصرية لخلق روح الصحراء، تسبب بإزعاج لبعض الحضور بسبب الغبار المتطاير، ما يجعل هذا النوع من العروض أكثر ملاءمة للفضاءات المفتوحة، حيث يمكن للصورة الصحراوية أن تتنفس بحرية أكبر وتحقق واقعيتها الحسية كاملة.
التحول المفاجئ إلى أجواء البحر والقراصنة كان واحدًا من أكثر المشاهد شاعرية وعبثية في آن واحد. البحر، النوارس، القمر، وأسماك القرش، كلها لم تكن سوى هلوسات رجل أنهكه الانتظار حتى فقد قدرته على التمييز بين الواقع والوهم. وهنا ينجح العرض في إعادة تعريف “السراب”، فالسراب ليس ما تراه العين فقط، بل ما يصدقه العقل خوفًا من الحقيقة.
وفي المشهد الأخير، حين تصل الطائرة أخيرًا، ويكتشف الجندي أنه عاجز عن التحرك لأنه يظن أن اللغم ما زال تحته، يصل العرض إلى ذروته الفلسفية الأكثر قسوة، وحين يقرر أخيرًا تحريك قدمه، يكتشف أن اللغم لم يكن موجودًا أصلًا، لقد ضاع عمره كاملًا رهينة خوف متخيَّل.
ظهور آية خليفات والطفل ريان الفيومي في اللقطات الأخيرة، كأطياف لحلم العائلة والأبوة والحياة الطبيعية، منح النهاية وجعًا إضافيًا؛ فالبطل لم يخسر حياته فقط، بل خسر كل الاحتمالات التي كان يمكن أن يعيشها.
“سراب” ليس عرضًا عن الحرب بقدر ما هو عرض عن الإنسان حين يتحول خوفه إلى حقيقة تحكم وجوده، إنه عمل يواجه المتلقي بسؤال مرعب، كم من أعمارنا نهدرها واقفين فوق ألغام لم تكن موجودة أصلًا؟










