منتدى تواصل 2026 … حين يتحول الحوار الشبابي إلى طموح وطني … تغذية راجعة
داود شاهين
هي المرة الأولى التي أشارك فيها في فعاليات منتدى التواصل الذي تنظمه مؤسسة ولي العهد في مركز الملك الحسين بن طلال للمؤتمرات بمنطقة البحر الميت. ولم تكن هذه التجربة بالنسبة لي مجرد حضور لحدث حواري تقليدي، بل كانت انغماس حقيقياً في مختبر وطني حي يتخذ من “الحوارات” المتبادلة بين الشباب وصناع القرار أداة فعلية لتشكيل السياسات العامة ورسم ملامح المستقبل.
المفاجأة الحقيقية بالنسبة لي لم تقتصر على ما دار داخل أروقة قاعات المؤتمر؛ بل تجسدت في حجم التفاعل الذي أحدثه حضوري في محيطي الخارجي. فبمجرد أن نشرت بعض الصور ومقطع فيديو يوثق مشاركتي في المنتدى على حساباتي، حتى انهالت عليّ الاتصالات والرسائل من الأصدقاء والمقربين. لقد أظهر الجميع رغبة حقيقية وعارمة في التواجد هناك، وعبروا بكثير من الشغف عن أمنياتهم لو أتيحت لهم الفرصة لمشاركة هذا الحدث الاستثنائي في عامه الرابع. هذا الاندفاع العفوي عكس لي بوضوح مدى وعي جيل الشباب واعترافهم بقيمة هذه المنصة التي باتت طموحاً يسعى الكثيرون ليكونوا جزءاً منه.
هذا الشغف الذي لمسته في عيون أصدقائي مبرر تماماً؛ فالمنتدى تجاوز هذا العام صيغة المحاضرات والتلقين أحادي الجانب، ليركز على جلسات تفاعلية اتسمت بالصراحة والشفافية. إن جلوس المسؤول والوزير جنباً إلى جنب مع الشريحة الشبابية لم يكن بروتوكولياً؛ بل كان يهدف بالدرجة الأولى إلى الاستماع إلى التغذية الراجعة الفورية من الميدان الشبابي حول قضايا حيوية تمس واقعنا ومستقبلنا،
ولعل ما أعطى هذا الحوار ثقلاً حقيقياً هو حجم المشاركة الواسع الذي ضم مئات الشباب والشابات من مختلف محافظات المملكة وخلفياتهم الأكاديمية والمهنية، مما جعل القاعات تضج بتنوع الأفكار والخبرات. هذا الحشد النخبوي من الطاقات واكبته مجموعة غنية ومتشعبة من القضايا الجريئة والمعاصرة التي طُرحت على طاولة النقاش؛ فلم تقتصر الحوارات على العناوين التقليدية، بل غاصت في عمق التحديات الراهنة،
إن النبض الحقيقي للمنتدى تجسد في قدرته على ملامسة الأولويات المستجدة للشاب الأردني. فلم تعد الطموحات محصورة في الأطر التقليدية، بل امتدت لتناقش كيف يمكن للأردن أن يكون مركزاً إقليمياً للابتكار وتكنولوجيا المستقبل. تجلى ذلك في الأفكار الإبداعية التي طرحها المشاركون حول توظيف الذكاء الاصطناعي في التعليم والخدمات، وحول الآليات التشريعية المرنة التي يحتاجها قطاع العمل الحر لدعم الطاقات المستقلة و حمايتها قانونياً واقتصادياً. لقد أثبتت هذه النقاشات المعمقة أن الشباب الأردني لا يقف متفرجاً على التحولات العالمية، بل يمتلك رؤية ناضجة لكيفية قيادتها وتوطينها محلياً.
ختاماً، لا يسعني إلا الإشادة بالنجاح الباهر والتنظيم الرفيع الذي تميز به منتدى “تواصل 2026” في عامه الرابع. لقد نجحت مؤسسة ولي العهد، برؤيتها الثاقبة، في مأسسة حوار وطني شبابي حقيقي يتسم بالجرأة والمكاشفة. ونظراً لهذا النجاح الملموس، والاهتمام والشغف الهائلين اللذين لمستهما من الأصدقاء الذين تمنوا التواجد بيننا، فإنني أتقدم باقتراح تمليه الحاجة وتؤكده التجربة: أن يتسع نطاق المنتدى في نسخه المقبلة ليمتد على مدار يومين أو ثلاثة أيام بدلاً من يوم واحد، بالتزامن مع زيادة المقاعد المتاحة للمشاركين.
إن تمديد الوقت سيتيح فرصة أعمق لتشبيك الأفكار، وتوسيع مساحة ورش العمل، واستيعاب الأعداد المتزايدة من الطاقات الشبابية الأردنية المتلهفة لوضع بصمتها في مسيرة التحديث الوطني. إن “تواصل” أثبت أنه ليس مجرد حدث عابر، بل هو منصة بناء مستدام تستحق أن تفتح أبوابها لمدى زمني وجغرافي أوسع.
حمى الله الأردن والأردنيين







