
“دخلك يا زيزفونة” حين ننسى أننا أمام خشبة وممثلين ونظن اننا نتلصص من نافذة مقهى قديم
الشاهين الإخباري-فداء الحمزاوي
تصوير- نجلاء الصباح
في افتتاحيةٍ احتفالية لمهرجان ليالي المسرح الحر بدورته ال21 امتزج فيها الحنين بالوجع، أعاد عرض “دخلك يا زيزفونة” الذي أنتجه المسرح الحر للمخرج إياد شطناوي بناء صورة عمّان القديمة بوصفها ذاكرةً حيّة لا مدينة فقط. لم يبدأ العرض من الخشبة، بل من الشاشة، مادة فيلمية أعدّها أحمد الفالح حملت ملامح العاصمة، حجارتها العتيقة، دفء حاراتها، وأصوات ناسها البسطاء، بينما جاء التسجيل الصوتي للفنان حسين طبيشات كقصيدة عشقٍ تُتلى لمدينةٍ أنهكها الزمن دون أن تفقد روحها.
وحين ارتفعت الستارة، بدا المقهى الشعبي كأنّه قلب الأردن نفسه، كراسٍ خشبية متعبة، فناجين قهوة، وأغانٍ عالقة في الهواء. هناك يقف “بكرج” الذي ادى دوره احمد المراشدة ينظف الكراسي كمن يحاول ترتيب ما تبقّى من ذاكرة الناس، بينما يدخل “أبو فخري” الذي أدّى دوره رامي شفيق حاملاً خيبة الفنان الأردني وأسئلته الثقيلة عن الرزق والفن ووطنٍ يضيق بأحلام أبنائه.
النص الذي كتبه علي عليان لم يذهب نحو الكوميديا السطحية، بل قدّم ما يشبه “الضحك الموجوع”، حيث تتحول النكتة إلى وسيلة دفاع جماعية ضد القهر اليومي، تناول العرض قضايا أردنية تمسّ كل بيت، من آثار جائحة كورونا التي بدت في الحوار كأنها لعنة طويلة عطّلت العالم وما زالت آثارها تلاحق الناس اقتصاديًا ونفسيًا، إلى البطالة وضيق الحال، وصولًا إلى قانون الضرائب الجديد الذي حضر بسخرية ذكية جعلت الجمهور يضحك لأنه يعرف تمامًا حجم المرارة المختبئة خلف الدعابة.
على أطراف المسرح، ظهرت الشابتان اللتان أدّت دوريهما روان ثلجي ونور عزام كرمزين للأمل الجديد، لم تكونا مجرد شخصيتين عابرتين، بل صوت الجيل الذي يحاول إقناع الكبار بأن البلاد لا تُترك بسهولة، وأن الشباب ما زالوا قادرين على إعادة اختراع المعنى وسط الخراب الاقتصادي والاجتماعي، ظهرت روان ثلجي بحضور لافت للفتاة العصرية التي لم تنسى التاريخ القديم للفن والفنانين.
في أحد المشاهد الساخرة، يعلّق الرجل المُسن على الضرائب بتهكم لاذع، فتسارع المرأة إلى وضع يدها على فمه خوفًا من “الحكومة”، في صورة كوميدية تختصر علاقة المواطن العربي بالخوف المزمن حتى من المزاح السياسي، هنا لم يكن الضحك مجانيًا، بل كان انعكاسًا لعجز الإنسان أمام واقعٍ أكبر منه.
كما تطرّق العرض إلى أزمة الفن والفنان الأردني، ولنقابة الفنانين الأردنيين، من خلال شخصية “أبو فخري” التي جسّدها رامي شفيق بحسّ إنساني مؤلم، فالفنان في العرض لا يبحث عن الشهرة بقدر ما يبحث عن اعتراف بكرامته وحقه في العيش، كان النص ينتقد تراجع قيمة الفن الحقيقي في زمنٍ أصبحت فيه الشهرة أسرع من الموهبة، وأصبحت وسائل التواصل تصنع نجومًا عابرين بينما يُهمّش أصحاب التجارب الحقيقية.
ومن أكثر اللحظات المعاصرة عمقًا، حديث محمد السميرات عن السوشال ميديا وتيهان الشباب داخلها، حيث تحوّل الهاتف في الحوار إلى رمز لعالم افتراضي ابتلع العلاقات الحقيقية والذائقة الفنية والوعي الجمعي، تحدّث العرض عن جيلٍ يعيش متصلًا طوال الوقت لكنه أكثر عزلة من أي وقت مضى، وعن حداثةٍ سريعة جرّدت الإنسان من دفء التفاصيل البسيطة التي كانت تمنح الحياة معناها.
ورغم كل هذه القضايا الثقيلة، نجح العمل في تمريرها بخفة وذكاء دون الوقوع في المباشرة أو الخطابة، المناكفات الدائمة بين معتصم فحماوي وعلي عليان الذي أدّى شخصية “أبو رامي”، أضفت على العرض روحًا فكاهية حقيقية جعلت الجمهور يتقهقه ضحكًا بعفوية، كانت مشاحناتهما أقرب إلى أحاديث الرجال في المقاهي الشعبية بسيطة، حادة أحيانًا، لكنها مليئة بالمحبة والدفء الإنساني، وبينهما كانت أريج دبابنة، التي أدّت دور فدوى الأردنية ببراعة لافتة، تحاول فكّ الاشتباك الكلامي بينهما طوال العرض بروح كوميدية خفيفة انسجمت تمامًا مع طبيعة العمل، حتى بدت وكأنها تمثل صوت المرأة الأردنية التي تحاول دائمًا ترميم الفوضى العائلية والاجتماعية بابتسامة ساخرة.
بينما حمل كرم الزواهرة، بشخصية البدوي المعتز بجذوره، خطابًا واضحًا عن الهوية والانتماء، مؤكدًا أن الشباب هم وقود المستقبل، وشاركت شادن سليم بدورها ام إلياس الفلسطينية بحضور متناغم عزّز روح الجماعة التي بُني عليها العرض.
واحدة من أجمل لحظات العمل تمثلت في استعادة ذاكرة الفن الجميل، حين بدأ الممثلون باستحضار أعمال مثل “هبوب الريح”، و“رأس غليص”، و“نمر بن عدوان”، قبل أن يعيدوا إحياء أجواء برنامج رافع شاهين الشهير “فكر واربح”، اللافت أن الشابات كنّ الأكثر معرفة بالإجابات، في إشارة ذكية إلى أن الجيل الجديد، رغم اتهامه بالسطحية والانفصال، ما زال يبحث عن جذوره الثقافية والفنية.
موسيقيًا، منح رامي شفيق ورولا جرادات العرض روحًا نابضة، بينما أضافت إيقاعات محمد طه حيوية جعلت الجمهور يشعر وكأنه داخل سهرة شعبية عمّانية حقيقية، وأسهمت سينوغرافيا حمزة المراشدة، إلى جانب إدارة الخشبة التي قادها زاهي الحمامرة ومحمد أبو ديه، في خلق دفء بصري أعاد للمكان روحه الشعبية الحميمة، فيما حافظت منى الرفوع وكرم الزواهرة على انسيابية العرض وإيقاعه المتوازن.
في النهاية، لم يكن “دخلك يا زيزفونة” مجرد فرجة شعبية، بل محاولة فنية لاستعادة الإنسان الأردني من زحمة القلق الحديث، عرضٌ يقول إن الوطن، رغم تعبه، ما زال يسكن الأغاني القديمة، ورائحة القهوة، وضحكات المقاهي، وإن الذين يحبون تراب بلادهم لا يغادرونها بسهولة حتى حين توجعهم.












