أقلام حرةصيد الشاهين

في مركز الحسين للسرطان: حيث تبرأ الأرواح.. قبل الجراح

داود شاهين

في ملكوت الإنسانية، ثمة بقعةُ تجاوزت في كينونتها حدود “المستشفى” لتصبح “محراباً” للطمأنينة، ومرفأً ترسو عليه سفن المنهكين من أمواج الألم. هنا، في مركز الحسين للسرطان، لا تُقاس المسافات بالأمتار، بل بجرعات الأمل، ولا يُعرف الوقت بدقائق الساعة، بل بلحظات الصبر التي تتحول –بقدرة الله– إلى يقينٍ بالانتصار.

إن البلاغة الحقيقية لهذا المكان تكمن في فلسفته الاستثنائية؛ فقبل أن تمتد يد الجراح لتستأصل الوجع، تمتد يد الحنوّ لتنتشل الروح من لُجّة اليأس. هم يدركون يقيناً أن الجسد مجرد صدىً لنداءات النفس، فإذا ما استضاءت الروح بنور الثقة، غدا الجرحُ مجرد عابرٍ في طريق التعافي. إنها عملية “تزكيةٍ” شعورية، تسبقُ هندسة الطبّ، فتبرأُ الروحُ من قيود الخوف، وتتحررُ من أغلال القلق، قبل أن يخطَّ المبضع ( المشرط ) أول سطرٍ في رواية الشفاء.

بين الردهات، لا تسمعُ أنيناً، بل ترقبُ همساً من العزيمة يتردد صداه في العيون. هنا، يتحول “السرطان” من وحشٍ كاسرٍ إلى خصمٍ يُهزم بالإرادة قبل العقار. الأطباء والممرضون في هذا الصرح ليسوا مجرد طواقم فنية، بل هم “سدنةُ الأمل”، ينسجون من ابتسامتهم خيوط فجرٍ جديد لكل من أظلمت في وجهه السبل. تراهم يداوون “الخاطر” قبل “الخاطرة”، ويجبرون انكسار القلب قبل كسر العظم، في تجسيدٍ حيٍّ لأسمى معاني الرفق البشري.

هذا المركز ليس مجرد جدرانٍ وأجهزة، بل هو “قصيدةٌ” أردنية كُتبت بحبر الوفاء، وشيّدتها سواعدُ آمنت بأن كرامة الإنسان تبدأ من حقه في رعايةٍ تحفظ روحه وجسده معاً. إنه الوطن حين يتجسد في صورة “بلسم”، والقيادة حين تترجم رؤيتها إلى “واحةٍ” للأمان الصحي.

إن “برء الروح” هو المعجزة الصامتة التي تحدث في كل ثانيةٍ داخل هذا المركز. فحين تستعيد النفس توازنها، يصبح الألمُ ضريبةً زهيدة في مقابل البقاء. وفي مركز الحسين، ندرك تماماً أن “الجراح” قد تترك أثراً، لكن “الأرواح” التي برئت من الهزيمة هي التي تظل تُحلق في فضاءات الحياة، حاملةً راية النصر، وشاهدةً على أن المحبة هي أمضى سلاحٍ في وجه الفناء.

في ختام القول، لا بد من وقفة إجلالٍ لتلك الأيادي البيضاء التي تجعل من “برء الأرواح” واقعاً ملموساً قبل أن يكون شعاراً مرسوماً. فإلى الكوادر الطبية والتمريضية والإدارية في مركز الحسين للسرطان، أنتم لستم مجرد مهنيين تؤدون واجباً، بل أنتم “حراس الحياة” الذين يقفون بصلابة في وجه اليأس.

شكراً لمن يمنحون المرضى من أرواحهم قبل علمهم، ولمن يزرعون الابتسامة فوق ثغورٍ أتعبها الأنين. شكراً للممرض الذي يغدو بلمسته بلسماً، وللطبيب الذي يحمل في عينيه ثباتاً يبعث السكينة في القلوب الواجفة، وللمتطوعين والإداريين الذين يجعلون من هذا الصرح منظومةً متناغمة من العطاء بلا حدود.

إن كلمات الشكر لتقف عاجزةً أمام جلال صنيعكم؛ فقد أثبتم للعالم أن الطب حين يمتزج بالرحمة، يغدو رسالةً سماوية تتجاوز حدود الأرض. دمتم فخراً للأردن، ومنارةً تهتدي بها النفوس التائهة في دروب الوجع، فلولا إخلاصكم ما بَرئت روحٌ، وما طابَ جرح.

حمى الله الأردن والاردنيين

زر الذهاب إلى الأعلى