أقلام حرة

مخمور بالشارع افضل من فاسد على كرسي

فداء الحمزاوي

لن نبلغ المدينة الفاضلة مهما اشتدت محاولات فرضها بالقوانين أو الرقابة الانتقائية، فالمجتمعات لا تُبنى بحجب المشاهد أو رفع الضرائب او زيادة بنود المخالفات المرورية بقدر ما تُبنى بالعدالة والكرامة وتحسين جودة الحياة.
ومن المؤلم أن تتحول بعض القضايا الثانوية إلى ساحات استعراض وتشدد، بينما تُترك الأزمات الحقيقية تتفاقم بصمت في تفاصيل الحياة اليومية للمواطن.

إن مشاهد العنف والقتل والإجرام التي تتسلل إلى الوعي الجمعي أخطر أثراً وأكثر قسوة على الإنسان والمجتمع من أي مشاهد أخرى يُختلف حولها، لأنها تكرّس الاعتياد على القسوة وتغذي الخوف والانهيار النفسي، وفي المقابل، فإن الاستمرار في رفع الضرائب والأسعار، سواء على المشروبات الروحية أو المحروقات أو غيرها، لا يحقق إصلاحاً أخلاقياً ولا اقتصادياً، بل يدفع المواطن أكثر نحو الاختناق المعيشي والاحتقان الاجتماعي، في وقت باتت فيه القدرة على الاحتمال تقترب من حافة الانفجار.

الإصلاح الحقيقي لا يكون بملاحقة التفاصيل الهامشية، بل بالالتفات إلى الملفات التي تمس حياة الناس وكرامتهم بشكل مباشر، بدءاً من تشديد الرقابة على المؤسسات الحكومية ومحاربة الترهل والفساد، مروراً بتجهيز البنية التحتية قبل كل موسم شتاء بدل الاكتفاء بردود الفعل المتأخرة، ووصولاً إلى تفعيل دور وزارة التنمية الاجتماعية في مواجهة التسول والفقر ودعم الأسر المحتاجة بكرامة تحفظ إنسانيتها.

كما أن من الضروري إعادة النظر في حجم الضغط النفسي والتعليمي المفروض على طلبة التوجيهي وعائلاتهم، بعدما تحولت هذه المرحلة إلى عبء نفسي جماعي يتكرر كل عام دون حلول جذرية. ويوازي ذلك الحاجة الملحّة إلى رفع الرواتب بما يتناسب مع الغلاء المتصاعد، وضبط الإيجارات والأسعار التي تجاوزت قدرة المواطن على الاحتمال.

أما القطاع الصحي والخدمي، فلا يزال بحاجة إلى إصلاح حقيقي يبدأ من تحسين مستوى النظافة والخدمات والتعامل الإنساني داخل المستشفيات والمراكز الحكومية، إلى جانب إعادة الاعتبار للمدارس الحكومية وتطوير بيئتها التعليمية بما يليق بالطلبة والمعلمين معاً.

وفي ملف البنية المرورية، لم يعد مقبولاً أن تبقى الأزمات تتكرر دون حلول عملية وسريعة، في وقت يمكن فيه توسيع الشوارع وإعادة تنظيم المساحات المهدورة بجانب الأرصفة والمستخدمة كمواقف عشوائية، بما يخفف الاختناقات ويحسن الحركة داخل المدن.

الأخطر من كل ذلك، هو الصمت أمام تصاعد حالات الانتحار والانهيار النفسي، وكأن الصحة النفسية ترف لا أولوية، بينما الحقيقة أن المواطن المُنهك اقتصادياً ونفسياً يحتاج إلى منظومة دعم حقيقية، تشمل وحدات علاج نفسي مجانية موزعة بعدالة على المحافظات، وحملات توعية تعيد تشكيل نظرة المجتمع تجاه العلاج النفسي باعتباره حقاً إنسانياً لا وصمة.

ما يحتاجه الناس اليوم ليس المزيد من التضييق على تفاصيل حياتهم، بل مشروع إصلاح حقيقي يشعرهم بأن الدولة ترى معاناتهم وتعمل لأجلها، فالأوطان لا تستقر بالشعارات، بل حين يشعر المواطن أن كرامته، وصحته، وتعليمه، وأمانه المعيشي، هي الأولوية الأولى.

زر الذهاب إلى الأعلى