كيف وصلنا إلى هنا؟؟؟
العميد المتقاعد زهدي جان بيك
كيف تدرجنا في الانحدار حتى وأدنا قيمنا ومنظومتنا الاخلاقية، وجمعنا كل ما لدينا وحملناه الى سوق النخاسة العالمي لنبيعه فيها، ولم نبقي شيئا الا وحملناه الى السوق لبيعه حتى الحرية والطمأنينة والضمير… كلها معروضة للبيع بحجة الظروف… ثم ينامون كلهم مرتاحي الضمير كما يقولون (وننام جيعنا معهم) ….
عام 1974 انهيت قراءة رواية “الجريمة والعقاب” ل دوستويفسكي وهي رواية تقع في حوالي 1000 صفحة موزعة على جزأين. وعلى الرغم من انها ليست الرواية المثالية لطفل ما زال في الحادية عشرة من عمره، الا انني استمتعت كثيرا في قراءتها…. وهي رواية مبنية على مبدأ “درء المفاسد مقدم على جلب المصالح” الذي يعتبر احد القواعد الفقهية (او هكذا غرسوا في اذهاننا) التي يعتمدها الفقهاء في استنباط احكامهم.
الجريمة والعقاب محاولة روائية لتحديد من هو المجرم فعلا وهل هو فعليا البيئة والمجتمع بما فيهما من فقر وفساد، ام الشخص الذي يقع فريسة لهذه البيئة ويرتكب الجريمة ام الشخص الذي يستطيع ولكنه يمتنع عن منعها (اي منع الجريمة)؟ بحيث يعتقد المجرم ان “موت شخص واحد” يعتبر شيئا مقبولا اخلاقيا ان ادى الى حياة مائة شخص مقابله.
وفي هذه الرواية جعل دوستويفسكي لجوء بطلة روايته سونيا الى الدعارة للانفاق على اسرتها عملا بطوليا، وزواج اخت البطل دونيا من الرجل الغني لتلبية احتياجات الاسرة تضحية محمودة… وربما كان كل ذلك على نفس مبدأ درء المفاسد أو كما يسمى احيانا “التخلية قبل التحلية” او ما يعرف كذلك بمبدأ ” الاجتناب مقدم على الاجتلاب”.
لا شك ان الفساد ومن قبله الافساد آفة علينا محاربتها، لكن لجوء الكثير من الاحزاب القائمة وتلك التي تحت التأسيس (والكثير من الافراد) بركوب موجة “درء المفاسد اولى من جلب المصالح” واتخاذ هذا المبدأ ذريعة لشن الهجوم تلو الهجوم على الاشخاص والمؤسسات بحق وبدون حق… مرة بدليل والف مرة بدون اي دليل… مرة لجلب مصلحة عامة ومليون مرة لتحقيق مصلحة خاصة لهم غالبا ما تكون من المفاسد…. اقول، ركوب هذه الموجة بقصد التحشيد الشعبي خلف اشخاص بحجة حماية الكليات الخمس (الدين، النفس، العقل النسل، المال ) هو المفسدة بعينها تماما كما ان لجوء سونيا الى الدعارة للانفاق على اهلها هو العهر بعينه ولا يمكن قبوله بحجة انها بفعلها ذلك ابعدت عن عائلتها ما يمكن ان ينجم عن الفقر من مفاسد…. ان قبولنا او/و تفهمنا لمثل هذه التنازلات هو ما اوصلنا الى وأد منظومتنا الاخلاقية وهوى بنا الى الدرك الاسفل من الامم.
ختاما:
فان محاكمة النفس ومحاسبتها اصعب بكثير من المحاكمات الارضية حيث فصاحة اللسان قد تؤدي الى براءة المجرم…لكن القانون في محاكمة النفس ينطلق من الضمير… حيث يشهد عليك لسانك… وإن مسألة درء المفاسد ولو انها سرت بين العامة كما النار في الهشيم، وكأنها قول نبي،… الا انها لا تعدو ان تكون اجتهادا غير متفق عليه نقضه العديد من مشاهير الفقهاء والعلماء… ومالوا الى مبدأ ان اضاءة شمعة واحدة خير من لعن الظلام الف مرة.
لان الانسان مأمور اصلا بعمارة الارض… اي انه مأمور بالفعل والعمل … ولذلك فان مكافأة البشر على اداء واجباتهم اعظم واكبر بكثير من مكافأتهم على ترك المحرمات، لان اداء الواجبات يتطلب الجهد والعمل البدني العضلي، بينما ترك المحرمات يتطلب السكون فقط…. ومن هنا كانت العقوبة على ترك الفروض والواجبات اعظم واشد من العقوبة على فعل المحرمات (عدا الشرك بالله)….
فهل آن الاوان ان نعود الى اصولنا ونبدأ في بناء ما نستطيع بدلا من لعن الظلام والظروف؟؟؟؟؟؟






