واحة الثقافة

اليوم الاخير لعرض مسرحية “الآخر” وحرب يشيد بالعرض

الشاهين الاخباري

تحدث المخرج المسرحي الاردني حكيم حرب عبر صفحته الشخصية على على موقع التواصل الاجتماعي “فيس بوك” عن تجربته أمس في متابعة العرض المسرحي الآخر فكتب :

استمتعت الليلة وأنا أشاهد عرض مسرحية “الآخر”، التي من تأليف الكاتب المسرحي الإسباني “ميجيل دي أونامونو”، ومن إخراج الصديق العزيز المخرج المسرحي “حسين نافع”، رفيق الدرب المسرحي الطويل . حسين المسكون بالمسرح إلى حد التصوف والصعلكة في آنٍ واحد، والذي كنت ولا زلت أطلق عليه لقب “الدكتور فاوست”، لقناعتي التامة انه قد باع روحه لشيطان المسرح منذ ما يزيد عن ٣٥ عام .

حسين الذي عشق المسرح وأدمنه وتزوجه وانجب منه عشرات الأعمال المسرحية الفلسفية، المنتقاه من روائع المسرح العالمي، التي أبدعها كتاب وفلاسفة وشعراء مثل : لوركا، البير كامو، جان بول سارتر، أليخاندرو كاسونا، كالديرون دي لا باركا، أوسكار وايلد، شكسبير وغيرهم؛ توج تجربته المسرحية الطويلة الليلة بعرض يعج بكنوز الفلسفة، وجماليات الصورة، وحرفية الممثل وسحر الموسيقى . فأمتعنا وحلق بنا في فضاءات المسرح الحقيقي، المسرح الآخر الذي انتظرناه طويلاً، بعد أن فقدنا الأمل في السنوات الأخيرة من وجود مسرح حقيقي ومغاير يدغدغ عقولنا، وينفض الغبار عن أرواحنا المتعبة . فقدم لنا وجبة ذهنية عالية، وأبحر بنا في دهاليز النفس البشرية، منذ صراع قابيل وهابيل، مروراً بإزدواجية الذات الإنسانية وتشرذمها خلال رحلة بحثها عن معنى الحياة ومبرر وجودها، وصولاً إلى فكرة انغلاق المصير البشري ووصوله إلى النهاية المأساوية المحتومة والتي يدركها مسبقاً، لكنه يسير نحوها بقدميه كالأبطال التراجيديين في التراجيديا الإغريقية القديمة .

ما كان لهذا الزخم الفلسفي العميق أن يدهشنا لو لم يكن وراء العرض مخرج مثقف، له صولات وجولات في عوالم المسرح العالمي مثل “حسين نافع”، الذي اختط لنفسه نهجاً مغايراً، منذ علاقته الأولى في المسرح، نائياً بنفسه عن العادي والمكرور والمبتذل، معتبراً أن المسرح مشروع حياة، وليس مجرد وظيفة أو صفقة أو وسيلة ترفيه وسياحة وسفر . فأصاب هدفه بإتقان؛ أولاً عندما وقع اختياره على هذا النص النادر والنفيس، وثانياً عندما اختار لتجسيده ممثلتين بارعتين،

الأولى هي الفنانة “أريج دبابنة”، التي ظهرت في هذا العرض كسيدة مسرح من طراز رفيع، وكقديسة أداء تمثيلي صادق وجواني وعميق، فأدهشتنا بثرائها الوجداني، وباشتغالها على التفاصيل، وبصدق بوحها وتلونها من حالة إلى أخرى وعفوية أدائها البعيد عن التكلف والنرجسية .

والثانية هي الفنانة “انجي لكود” التي كانت مفاجئة بالنسبة لي، فأنا أول مرة أشاهدها فوق خشبة المسرح، وهذا يسجل لحسين نافع الذي قدمها لنا بهذا الشكل المغرق بالرقي والأناقة والأداء الشفيف، مما أعاد لنا الأمل بحضور درامي نسوي فوق خشبات مسارحنا؛ غاية في المهارة والحرفية والحضور الملفت والتمكن التام من أدوات الممثل الداخلية والخارجية .

ولن أنسى المعادل البصري الثري الذي استثمر الفراغ بمنتهى الذكاء، وعمل على تأثيث الفضاء بسينوغرافيا ضوئية أنيقة، اعتمدت الاختزال والتكثيف، بعيداً عن الثرثرة الضوئية المجانية، فكانت لمسات مصمم الإضاءة “محمد المراشدة” جلية وواضحة وذات بصمة إبداعية لها خصوصيتها العميقة، المدركة لمعنى النص، والواعية لرؤية المخرج ومعالجته الدرامية الرشيقة، وغير المثقلة بالحشو والزوائد . وكذلك الأمر كان المعادل الصوتي الموسيقي حاضراً برمزيته وجوانيته، البعيدة عن الضجيج والجعجعة والاستعراض، والأقرب إلى همسات الروح ونداءات القلب وقلق الضمير، فاستحق “موسى السطري” كل إعجاب وثناء .

شكراً حسين نافع وفريقه المسرحي الواعي والمخلص والأمين، على هذا العرض المسرحي المثقف، البعيد عن الكرنفالية والميلودرامية والعزف المستهلك على الأوتار العاطفية، شكراً لإيمانكم أصدقائي بأن المسرح إيقاظٌ للعقل وليس مخدراً له، ولمواصلتكم القبض على جمر المسرح وسط هذه الظروف الصعبة والقاسية التي يعاني منها المسرح في وطننا العربي الكبير .

زر الذهاب إلى الأعلى