
«الغداء الأخير»: مائدة للغائبين وبيت لم يغادره الانتظار
كان يمكن للبيت أن يقول الكثير قبل أن تبدأ الحكاية.
الشاهين الإخباري – دعاء خلف
باب معلق، مطبخ خربان، وبيت يبدو كأن قنبلة مرت من داخله وتركته واقفًا بالقدر الذي يسمح له بأن يشهد على ما حدث. وسط هذا الخراب بقيت سلمى. لم تغادر، رغم الجوع والدمار، وتصر على ممارسة فعل يومي شديد البساطة: تحضير الغداء.
هذه المفارقة هي أول ما شدني في «الغداء الأخير»، المونودراما الأردنية من تأليف وإخراج نجوى قندقجي وأداء ريتا عكروش. امرأة في مكان يقول إن الحياة توقفت، تتصرف كما لو أن من الممكن استئنافها من المطبخ.
من هنا وجدت مدخلي إلى العرض.
القصف حاضر، والفقد حاضر، وفلسطين حاضرة بكل ثقلها، لكن الصورة التي اختارها العمل أصغر من الحرب وأكثر التصاقًا بالإنسان. ماذا يبقى من البيت حين يصبح غير صالح تقريبًا للحياة؟ وماذا تفعل امرأة حين يكون الرحيل عنه نجاة من جهة، واقتلاعًا جديدًا من جهة أخرى؟
السينوغرافيا التي اشتغلت عليها ليال الحيالي لم تحاول إعادة بناء منزل واقعي كامل، وهذا في صالح العرض. اكتمال البيت كان سيضعف إحساس الخراب. ما نراه يكفي لاستدعاء ما كان موجودًا قبل القصف، ثم يترك الخيال يكمل الأجزاء المفقودة.
الباب المعلق بقي معي تحديدًا. وجود باب عاجز عن أداء وظيفة الباب يحمل مفارقة لا تحتاج إلى كثير من الشرح. لا يغلق على من في الداخل، ولا يمنع الخارج من الاقتحام. بقيت صورته، بينما سقط الأمان الذي يفترض أن يمنحه. ومع ذلك، ما زالت سلمى في البيت وتنتظر.
أما المطبخ فكان أكثر من مكان مناسب لتحريك الشخصية. اختياره ينقل الحرب من صورتها الكبرى إلى المساحة الأشد يومية. القصف لم يهدم جدارًا فقط؛ وصل إلى المكان الذي كانت فيه أم تعد الطعام، وأب ينتظر طبقه، وعائلة تجلس حول مائدة، وروائح تتكرر يومًا بعد يوم إلى أن تصبح جزءًا من ذاكرة أصحاب البيت.
الطعام أحد أنجح مفاتيح العرض، بشرط ألا نقرأه باعتباره استعراضًا للهوية الفلسطينية. الطبق يستمد أهميته من الشخص المرتبط به. رائحة تستدعي الأم، مذاق يعيد الأب، وصفة تحمل شيئًا من العائلة. وهذا ما أنقذ الأكلات والأعشاب من أن تتحول إلى إشارات تراثية جاهزة.
نجوى قندقجي بنت نصها بعناية واضحة حول هذه العلاقة. البيت يقود إلى الطعام، والطعام إلى الرائحة، والرائحة تفتح الذاكرة، والذاكرة تعيد الغائبين. وكلما اتسعت هذه الدائرة يصبح غياب العائلة أثقل، مع أن أحدًا منهم لا يظهر أمامنا.
هنا تبرر المونودراما نفسها. وجود ريتا عكروش وحيدة ليس مجرد شرط للنوع المسرحي. الوحدة جزء من المأساة. لو ظهر الأب والأم والأخ وابن الجيران فعلًا لخسر العرض شيئًا أساسيًا، لأن هؤلاء يجب أن يكونوا غائبين كي نشعر بما تفعله سلمى لاستحضارهم. كانت الخشبة، بهذا المعنى، خالية ومزدحمة في الوقت نفسه.
لكن المونودراما تضع ممثلتها أمام مشكلة صعبة أيضًا. لا يوجد شريك حي تتبادل معه الفعل، ومع كثرة الشخصيات والذكريات يصبح الانزلاق نحو السرد سهلًا جدًا. وقد ظهر هذا التفاوت في «الغداء الأخير». حين تكون سلمى مشغولة بشيء على الخشبة، يصبح حضورها أقوى: المطبخ، الأدوات، إعداد الطعام، التعامل مع بقايا المكان. في هذه المساحات تتحول الذاكرة إلى فعل.
وحين يطول الكلام ويصبح مطلوبًا منه نقل تفاصيل كثيرة، تظهر حمولة النص.
ليست كل التفاصيل بالوزن نفسه. بعض استدعاءات الأسرة ضروري جدًا، لأنها تمنع الأب والأم والأخ من التحول إلى رموز مجردة. نحتاج أن نعرفهم كأشخاص عاشوا في هذا البيت. لكن العمل يريد أحيانًا أن يحتفظ بكل شيء: البيت والحارة والحب والأم والأب والأخ والجار والطعام والأرض والذاكرة والانتظار والغريب. مادة غنية، نعم، لكنها تحتاج إلى قسوة أكبر في الاختيار.
كنت سأحذف أكثر.
ليس لأن العرض يحتاج إلى الاختصار وحسب. نحن أمام الغياب، وكان من الجميل أن يأخذ هذا الغياب شيئًا من مساحة الكلام أيضًا. بعض اللحظات كانت تحتاج إلى أن تترك سلمى وحدها مع المطبخ.
النص يعرف قيمة الصمت، لكنه في مواضع معينة يخشاه. يضع صورة قوية أمامنا، ثم يتقدم ليشرحها. تصل فكرة الرائحة، فتعود بصياغة أخرى. نفهم أن الطبخ أصبح وسيلة لاستعادة الغائبين، ثم يعود الكلام لتأكيد الصلة بين الطعام والذاكرة. وحين يصبح المعنى واضحًا جدًا، فإن المزيد من التفسير لا يمنحه بالضرورة طبقة جديدة.
المسرح عندما يمتلك الصورة عليه أن يثق بها.
امرأة تطبخ لأشخاص غير موجودين لا تحتاج إلى جملة تشرح أن الذاكرة تقاوم الفقد. الباب المعلق لا يحتاج إلى خطاب طويل عن الاقتلاع. والمطبخ الذي أصابه الخراب بينما تستمر صاحبته في إعداد الطعام يقول الكثير عن الصمود من تلقاء نفسه.
لذلك وجدت العرض أشد وقعًا كلما ابتعد قليلًا عن إعلان مقولته.
حتى الصوت، حين قرّب عالم الطبخ من عالم القصف، أدخل الحرب إلى التفاصيل بدل تقديمها كحدث يقع في الخارج. المطبخ لم يعد المساحة الآمنة التي تحدث فيها الحياة بعيدًا عما يجري خلف الجدران. الخارج دخل إليه، ولم تعد هناك حدود واضحة بين الاثنين.
الإخراج استفاد من كون نجوى قندقجي صاحبة النص أيضًا، فالفكرة البصرية لم تبد منفصلة عن الكتابة. هي تعرف إلى أين تريد أن تصل بالبيت والطعام والرائحة. لكن هذه المعرفة تصبح في بعض اللحظات عبئًا؛ فالرغبة في ضمان وصول المعنى تجعل الصورة أقل حرية مما ينبغي. والصورة المسرحية تحتمل أن تصل ناقصة أو مختلفة، وربما ملتبسة.
والشخصية نفسها تحتمل ذلك.
هل سلمى صامدة أم عاجزة عن المغادرة؟ هل تطبخ لأنها تؤمن فعلًا بالعودة أم لأنها لا تستطيع مواجهة احتمال ألا يعود أحد؟ وهل استمرار الحياة مقاومة، أم أصبح تكرار الطقس اليومي طريقة لتأجيل الاعتراف بما حدث؟
أقوى مناطق «الغداء الأخير» عندي هي التي تسمح لهذه الاحتمالات بأن تبقى مفتوحة.
فمن السهل تحويل سلمى إلى صورة جاهزة للمرأة الفلسطينية الصامدة. عندها تصبح الشخصية أنظف مما ينبغي: امرأة قوية تتمسك بالأرض والبيت والذاكرة، وتنتهي القراءة. لكن الإنسان أكثر ارتباكًا. قد يكون بقاؤها قوة وضعفًا في اللحظة نفسها، وقد تحمل مقاومتها خوفًا لا تريد تسميته.
وهكذا تصبح سلمى أقرب.
المهمة الصعبة في أداء ريتا عكروش كانت في إبقاء سلمى امرأة قبل أن تتحول إلى حاملة لقضية. لذلك كانت اللحظات التي تظهر فيها الشخصية من داخل تفاصيلها اليومية أكثر إقناعًا بالنسبة إليّ من تلك التي يقترب فيها الكلام من حمل الرسالة مباشرة. المرأة التي تقلق على الطعام وتستعيد مذاقًا ورائحة ووجهًا أصدق مسرحيًا من الشخصية التي تتولى شرح معنى ما يحدث لها.
وهذا ليس اعتراضًا على الموقف السياسي للعمل. موقفه واضح أصلًا ولا يحتاج إلى التخفي. اعتراضي مسرحي. حين أرى بيتًا مدمرًا وامرأة رفضت مغادرته وتعد وجبة لأشخاص غائبين، تكون الفكرة قد وصلت. أي كلام يأتي بعدها عليه أن يضيف إلى الصورة، لا أن يترجمها.
ومن أجمل ما يحمي النص من المباشرة طوال جزء كبير منه اضطراب الزمن. سلمى لا تعيش الوقت بالطريقة المعتادة. يتكرر الاستعداد للغداء بينما تفقد المدة وضوحها. أيام، أشهر، سنوات، لحظات؛ لا يعود الفرق مهمًا كثيرًا. الزمن داخل البيت عالق عند نقطة ما، حتى إن الطعام الذي يفترض أن يكون حدثًا يوميًا يتحول إلى طقس انتظار لا ينتهي.
هذا البناء الدرامي، بالنسبة إليّ، أعمق من بعض الحكايات المتفرعة.
فالغداء عادة يعني أن هناك موعدًا. أحدهم سيأتي. سنجلس ونأكل ثم نواصل اليوم. في هذا البيت بقي الغداء وسقط تقريبًا كل ما يأتي بعده.
وعندها يكتسب عنوان «الغداء الأخير» قسوته. كلمة «الأخير» حاسمة، بينما سلمى ترفض الحسم طوال الوقت. العنوان يوحي بأن شيئًا انتهى، وهي تتصرف كما لو أنه مستمر. تطبخ، ترتب، تتذكر، تستدعي الغائبين وتترك مكانًا لاحتمال عودتهم. كأن الشخصية والعنوان يتنازعان الحقيقة نفسها.
وجدت هذه المفارقة أجمل من التعامل مع الاسم بوصفه إحالة مباشرة إلى وجبة أخيرة قبل الموت.
هناك أيضًا مسألة المقاومة التي يصر عليها العرض. أجمل صورها هنا، في رأيي، ليست المواجهة المباشرة مع «الغريب»، رغم أهمية وجوده داخل البناء، وإنما استمرار فعل الحياة. محاولة إعادة رائحة الطعام إلى بيت أصابته القنبلة تحمل معنى أكثر من التصريح برفض الاقتلاع.
في المقابل، بعض مواضع المواجهة تجعل الرمز واضحًا أكثر مما يحتاج. «الغريب» معروف في وظيفته، والأوراق والتهديد والبيت والحارة كلها تقود إلى قراءة سياسية لا يصعب الوصول إليها. كنت أفضل أحيانًا أن يظل أقل شرحًا. أثره موجود أصلًا في كل ما أصاب المكان.
هذه ملاحظة أساسية بالنسبة إليّ، لأنها تتصل بالفرق بين استثمار القضية مسرحيًا واستخدام المسرح لقولها. «الغداء الأخير» ينجح غالبًا في الأول، لكنه يقترب أحيانًا من الثاني. وكلما عاد إلى سلمى وأشيائها وطبخها وبيتها استعاد قوته.
وأظن أن التكثيف كان سيحل جزءًا كبيرًا من ذلك. لا أقصد حذف الذاكرة، وإنما اختيار الذاكرة الأقدر على حمل غيرها. فبدل استعادة تفاصيل كثيرة كي نعرف كم كان البيت حيًا، قد يكفي تفصيل واحد إذا أصاب مكانه. وما يصل بالصورة لا يحتاج دائمًا إلى أن يعود بالكلام.
مع ذلك، في بناء العمل ذكاء واضح. السينوغرافيا لا تزاحم الممثلة، والخراب له وظيفة، والطعام ليس إكسسوارًا، وغياب الأشخاص جزء من البناء نفسه، والعنوان لا يكشف معناه كله منذ البداية. هناك وحدة فكرية تربط هذه العناصر من دون أن تجعلها متطابقة.
ولهذا بقي «الغداء الأخير» عندي من العروض التي تمتلك فكرة مسرحية، لا موضوعًا قويًا فقط.
فلسطين تمنح أي نص مادة إنسانية وسياسية ثقيلة، لكن قوة القضية لا تعفي المسرح من البحث عن لغته. «الغداء الأخير» وجد جزءًا كبيرًا من لغته في المطبخ والرائحة والبيت والجسد الوحيد وسط كل هؤلاء الغائبين. حين تمسك بهذه اللغة كان مؤثرًا، وعندما أراد أن يشرحها أكثر مما ينبغي، اقترب قليلًا من الخطاب.
بعد العرض لم تكن الجملة هي التي بقيت معي.
كان البيت.
مطبخ خربان، باب معلق، وامرأة لم تخرج.
الغداء جاهز تقريبًا، لكن الذين أعدّت لهم المائدة ليسوا هناك. وفي ذلك الفراغ كان «الغداء الأخير» يقول أكثر ما لديه.











