أخبار الاردنمهرجان جرش 40واحة الثقافة

السيد خشبة مقال نقدي مسرحي ضمن فعاليات مهرجان المونودراما

الشاهين الاخباري – دعاء خلف


بدأت مسرحية “السيد خشبة” بخشبة فارغة تمامًا. لا ديكور، ولا ستائر تحجب شيئًا، ولا منشآت مسرحية تحاول منذ اللحظة الأولى أن تلفت النظر إلى براعة تصميمها. مساحة مضاءة فقط، وكرسي خشبي وحيد.
كان الضوء الأول أخضر. لم أعرف إن كان اللون مقصودًا بوصفه علامة على حياة لم تنطفئ، أم أنه مجرد مدخل بصري إلى عالم العرض، لكنني لم أستطع فصله لاحقًا عن إصرار مرزوق على البقاء. رجل يبدو عليه التعب، يدخل إلى مكان فارغ، ثم يبدأ بمحاولة إحيائه. الأخضر هنا لم يكن لون راحة. كان أقرب إلى حياة تقاوم كي لا تتراجع.
بعد العرض حصلت على النص الأصلي الذي كتبه يوسف الحمدان وقرأته. لم أجد أمامي تطابقًا حرفيًا بين المكتوب وما شاهدته، بل عرضًا أعاد زيناتي قدسية بناءه وفق طريقته في المسرح. بقيت الفكرة الأم موجودة، وبقي مرزوق يقاوم طرده من الخشبة، لكن الطريق إلى هذه الفكرة تبدل في أكثر من موضع، وأحيانًا تبدل جذريًا،حتى أضواء الصالة لم تنطفئ.
لم تبدأ المسرحية بذلك الظلام الذي يفصل عادة بين من يشاهد ومن يؤدي. بقينا ظاهرين، وبقي الممثل قادرًا على رؤيتنا كما نراه. ثم خرج زيناتي قدسية من جانب المسرح، لا من عمق الخشبة، واقترب وبدأ الحديث معنا. لم أنتظر طويلًا حتى أفهم أن الجدار الرابع لن يكون موجودًا أصلًا. العرض هدمه منذ اللحظة الأولى، قبل أن يمنحه فرصة للبناء.
هنا اقترب مسرح زيناتي قدسية من مسرح الفرجة والحكواتي. لم يكن مرزوق محبوسًا داخل مشهد مغلق يؤديه أمام مقاعد معتمة، بل حاضرًا بيننا، يروي ويعلّق ويسخر وينتقل من الحكاية إلى التمثيل ثم يعود إلينا. الصالة بقيت جزءًا من فضائه، والعلاقة المباشرة لم تكن استعراضًا عابرًا لكسر الجدار الرابع؛ كانت الطريقة التي اختار أن تقوم عليها المسرحية.
في نص يوسف الحمدان يدخل مرزوق من البوابة الخلفية للصالة متكئًا على عكازه، ومتأبطًا قطعة خشبية قديمة تحمل ذاكرته مع المسرح. في العرض الذي شاهدته جاء دخوله من جانب المسرح، وبدأ حضوره أقرب إلى دخول الحكواتي الذي لا يحتاج إلى إعلان رسمي كي تبدأ حكايته. الفارق في مسار الدخول يبدو صغيرًا على الورق، لكنه غيّر شكل العلاقة منذ اللحظة الأولى: مرزوق هنا لا يصل حاملًا حكايته إلى خشبة قائمة؛ يبدأ بصناعة الخشبة أمامي.
دخل الرجل كما لو أنه يعرفنا، أو يحتاج إلينا. لم يقدّم نفسه بوصفه شخصية بعيدة تسكن حكاية مغلقة، بل شخصًا جاء ليقول ما حدث له. شيئًا فشيئًا عرّف عن نفسه: مرزوق، ممثل مسرحي كبير في العمر، يحمل سنواته وتعبه وإصراره على الوقوف فوق الخشبة.
توقف عند الاسم واعترض عليه وسخر منه. الاسم وحده بدا نكتة ثقيلة: رجل يحمل وعدًا بالرزق، بينما لا يجد من الرزق ما يحمي كرامته أو يشبع جوعه أو يضمن له ساعة على المسرح. ليست السخرية في الاسم فقط، بل في كل ما يحيط به. يفترض أن يكون ممثلًا له تاريخه، لكنه يقف مطالبًا بحقه في الوجود كما لو أنه يدخل المسرح للمرة الأولى.
أما عنوان المسرحية فهو “السيد خشبة” بين “السيد ” ومرزوق الفقير والمهمش، وُلد التناقض الذي حمل العرض كله. هو سيد حين يمثل. يملك صوته وجسده وذاكرته، ويستطيع أن يملأ مكانًا خاليًا ويأخذني معه إلى عوالم لا تحتاج إلى قطعة ديكور واحدة. لكنه خارج تلك اللحظة رجل يمكن أن يقال له ببساطة: انتهى دورك.هذه الجملة تطارده طوال المسرحية، حتى حين لا تُقال حرفيًا.
تعامل زيناتي قدسية، في الإعداد والإخراج والأداء، بحرية واضحة مع نص يوسف الحمدان، لكنه أبقى قلبه في مكانه. ظل العرض يدور حول ممثل يحاول الدفاع عن حقه في المسرح، وعن المسرح نفسه بوصفه فعلًا حيًا، لا منشأة ولا مجموعة تقنيات متقدمة وبهرجة بصرية تحل مكان الفكرة. لم يكن إعدادًا يختصر بعض الجمل ويعيد ترتيبها فقط. كان قراءة أخرى للنص.
الاختلاف الأكبر ظهر في الصورة الأولى. النص المكتوب يضع مرزوق أمام ديكور كثيف يكتظ به المسرح، فيرتبك ويصرخ مطالبًا بإزالته لأنه يسلبه حرية الحركة ويجعل الديكور بطلًا بدل الممثل. أما زيناتي قدسية فبدأ من النقيض البصري تمامًا: أزال ذلك الاكتظاظ قبل أن يبدأ العرض، وترك الخشبة فارغة إلا من الكرسي.
لم يُلغِ بهذا الاختيار فكرة يوسف الحمدان، بل نفذها أمامي. بدل أن يجعل مرزوق يتحدث طويلًا عن الديكور الذي يخنقه، منح الممثل المساحة التي يطالب بها النص، ثم وضع قدرته أمام الاختبار.
الخشبة الفارغة لم تكن إعلان فقر في الإنتاج. كانت موقفًا.
في عرض ينتقد تحوّل الديكور والتقنية إلى بطلين يزيحان الممثل، جاء الفراغ ضروريًا. لم يكن من الممكن الدفاع عن مركزية الممثل ثم إخفاؤه خلف مشهدية متخمة. لذلك تُرك زيناتي قدسية وحده تقريبًا أمام الخشبة، من دون عناصر تحميه إذا ضعف حضوره أو انقطع إيقاعه.
كان عليه أن يثبت الفكرة بجسده.
وقد فعل.
استخدم الخشبة كاملة، وانتقل بين أطرافها من دون أن يبدو كأنه يتحرك لمجرد ملء المكان. كان يرسم بحركته حدودًا غير مرئية، يوسعها حين يهاجم، ثم يضيقها حين ينهكه مرزوق أو يشعر بأن شيئًا ما يدفعه إلى الخارج. أحيانًا كان الفراغ يبدو أوسع منه، وفي لحظات أخرى كان هو الذي يتسع حتى تبتلع الشخصية الخشبة كلها.
الممثل الحقيقي قادر على ابتلاع الخشبة.
هذه العبارة بقيت معي خلال العرض؛ لأن ما رأيته لم يكن ممثلًا يتحرك داخل ديكور، بل ممثلًا يتحول هو نفسه إلى فضاء مسرحي. صوته يصنع مكانًا، والجسد ينقلني إلى مكان آخر، ثم تكفي وقفة أو نظرة أو تغير في طبقته الصوتية حتى يعود الفراغ إلى حالته الأولى.
الكرسي الخشبي الوحيد لم ينافسه. بقي حاضرًا كشيء بسيط، مألوف، وقريب من عالم مرزوق. كرسي يمكن أن يستريح عليه جسد متعب، أو يجلس عليه رجل ينتظر، أو يبقى خاليًا كأنه مكان لم يعد أحد يريد أن يمنحه للفنان.
وهنا أيضًا افترق العرض عن مادته المكتوبة. القطعة الخشبية القديمة والعكاز والقنديل والعجلات تحمل في النص جزءًا كبيرًا من اللعب المسرحي؛ تتحول القطعة إلى خشبة شخصية يحملها مرزوق معه، ويصنع منها فضاءه حين يُمنع من فضاء المسرح. في العرض تقلصت هذه الشبكة من الأدوات، وبقي الكرسي أكثر حضورًا. انتقلت وظيفة صناعة العالم من الأشياء إلى جسد زيناتي وصوته وطريقته في الحكي.
لم يُثقل العرض الكرسي بتفسيرات. وهذا خدمه. الفراغ نفسه أدى وظيفة الديكور من دون أن يتحول إلى استعراض للفراغ. ظهرت الخشبة مرة كبيت يعرفه مرزوق، ومرة كساحة مواجهة، ومرة كمساحة مهددة بأن تُسحب من تحته. لم يتغير المكان فعليًا، لكن حضوره الجسدي والصوتي كان يغير علاقتي به.
هنا ظهرت براعة زيناتي قدسية بوصفه ممثلًا قبل أي شيء آخر. في المونودراما لا يستطيع المؤدي الاختباء. لا ممثل آخر يتسلم منه المشهد، ولا حركة جماعية تغطي لحظة ضعف، ولا ديكور كثيف يسحب العين بعيدًا. يبقى وحده مع الزمن، وعليه أن يمنع هذا الزمن من التحول إلى فراغ.
حضوره كان ممسوكًا. صوته واضح، قادر على الانتقال بين الشكوى والهجوم والسخرية والشعر من دون أن يفقد مرزوق. وحتى عندما ارتفعت اللغة وابتعدت عن اليومي، ظل التعب القديم موجودًا تحتها. لم يتحول فجأة إلى شاعر منفصل عن الشخصية، بل بدا كأن الشعر واحد من الأماكن التي يهرب إليها هذا الرجل كي يحمي نفسه.
ثم باغته الصوت.جاء من مكان غير مرئي، آمرًا، رافضًا وجوده، ومطالبًا إياه بمغادرة المسرح. لم يحتج صاحبه إلى أن يظهر. يكفي أنه يمتلك القرار، أو يتصرف كأنه يمتلكه. يسأل مرزوق لماذا جاء، ويخبره أن المسرح ليس له، وأن المكان للشباب، وأن عمره أصبح حجة كافية لطرده.
لم أعرف وجه الصوت، لكنني عرفت سلطته.
في البداية بدا ممثلًا واضحًا للمؤسسة التي تملك الصالة ولا تصنع المسرح، وتملك مفاتيح المكان فتظن أنها تملك الحق في تحديد من يكون فنانًا. صوت ينظر إلى الممثل كما تنظر مؤسسة إلى أداة استُخدمت طويلًا، ثم جاء وقت استبدالها.
في النص المكتوب يأخذ هذا الصوت مساحة جدلية أطول، ويتحول الحوار معه إلى مواجهة متكررة حول ملكية المسرح ومعنى الخشبة وحق مرزوق في التمثيل. في العرض بقيت السلطة مباغتة، تقطع تدفق الحكواتي وتدفعه في كل مرة إلى اختراع شكل جديد للمقاومة. هذا الاختصار جعلها أقل انشغالًا بشرح موقفها، وأكثر شبهًا بقوة تتدخل حين تشاء.
الفنان هنا سلعة. يُطلب جسده ما دام قادرًا على الاحتمال، ويُستهلك صوته ووقته وأعصابه، ثم يُقال له إن المسرح يحتاج إلى طاقة جديدة. لا أحد يسأل عمّا تركته الخشبة في هذا الجسد، ولا عن السنوات التي دفعها كي يبقى المسرح حيًا. يُختصر تاريخه كله في عمره، ويصبح العمر لائحة اتهام.
مرزوق لا يقبل ذلك.
«يحق لي ساعة» لم أسمع العبارة بوصفها طلبًا متعلقًا بمدة العرض. كانت مطالبة بحق الوجود. ساعة واحدة يسترد فيها اسمه ومهنته ومكانه. ساعة لا يخضع فيها لتعريف السلطة له بوصفه عجوزًا انتهى، بل يعرّف نفسه بالطريقة التي يعرفها: ممثلًا.
إصراره لا زمن له. لا يرتبط بما إذا كان شابًا أو كبيرًا في السن، ولا بما إذا اعترفت به المؤسسة. هو يفعل لأنه إن توقف، توقف المسرح معه. لا يملك مرزوق خطة كبيرة لإنقاذ الفن، ولا يقدم بيانًا مرتبًا حول مستقبل الخشبة. لديه فعل واحد: أن يمثل الآن.
لذلك كانت مقاومته عملية، حتى عندما بدت هذيانية. لا يكتفي بالقول إنه ممثل؛ يمارس التمثيل أمام القوة التي تنفيه. كل انتقال في صوته، وكل سخرية، وكل حركة في المكان تصبح جوابًا على أمر الطرد.
كانت السخرية سلاحه الأكثر حضورًا. لا يستطيع الوصول إلى صاحب الصوت أو إسقاط سلطته، لكنه يستطيع تجريده من الهيبة. يهاجمه، يتهكم عليه، يرد السؤال بسؤال، ويحوّل محاولته لإذلاله إلى مادة للضحك. لم يكن الضحك هنا راحة بين مشهدين ثقيلين. كان فعل مقاومة.
أحيانًا رأيت في مرزوق رجلًا يطلب الرحمة. يتعب، يشكو، ويبدو قريبًا من الاعتراف بأنه لم يعد قادرًا على الاحتمال. ثم ينقلب فجأة إلى الهجوم. يرفع صوته ويطارد مصدر السلطة التي تباغته، وكأنه قادر على إخراجها من المسرح بدل أن تخرجه هي.
هذا التناقض أعطى الشخصية صدقها. لو بقي مرزوق قويًا طوال الوقت لتحول إلى شعار، ولو بقي منكسرًا لصار ضحية فقط. لكنه يتردد بين الضعف والتحدي؛ لأن الإنسان الذي يقاوم لا يكون بطلًا في كل لحظة. يخاف، ويتوسل أحيانًا، ويستعيد نفسه، ثم يضعف من جديد.
في مرحلة ما، لم يعد الصوت بالنسبة إليّ قوة خارجية فقط. اقترب كثيرًا من مرزوق، حتى بدا كأنه يعرف مواضع خوفه كلها. ربما يكون صوت المؤسسة، وربما يكون أثرها بعدما استقرت داخله. صوت العمر وهو يتحول إلى شك، وصوت الإنهاك حين يسأل الفنان إن كان قادرًا على الاستمرار، وصوت الهزيمة الذي يكرر عليه ما يسمعه من الخارج.
هذه القراءة لا تأتي من العرض وحده. في نص يوسف الحمدان يصل مرزوق إلى سؤال صريح: هل كان ذلك الصوت يسكنه؟ زيناتي قدسية لم يحتج إلى إبراز السؤال بالطريقة نفسها؛ أداؤه كان يترك التردد ظاهرًا بين رجل يهاجم سلطة خارجية ورجل يسمع حكمها يتردد في داخله.
هل يقاوم مرزوق سلطة تطرده، أم يقاوم خوفه من أنها قد تكون محقة؟
لم يمنحني العرض إجابة جاهزة. بقي الصوت بلا وجه، وظل مرزوق يطارده داخل مساحة مفتوحة. وكلما حاول تحديد مكانه، ازداد حضوره انتشارًا.
هذا الغياب كان أبلغ من ظهور شخصية تمثل المدير أو المسؤول. لو ظهر رجل أمام مرزوق، لأصبحت المواجهة بين شخصين. لكن الصوت غير المرئي وسّع السلطة. يمكن أن يكون مدير الصالة، أو المؤسسة الثقافية، أو الزمن، أو خوف الفنان نفسه. وربما كان كل ذلك معًا.
في مقابل هذا الصوت، يستخدم مرزوق كل ما يملكه.
لا يقدم زيناتي قدسية جسدًا يتظاهر بالشباب. التعب موجود، والعمر موجود، وحتى لحظات القوة تأتي من داخلهما لا من إنكارهما. مرزوق يقاوم بجسد يعرف أنه لم يعد كما كان، لكنه يرفض أن يُختصر في ضعفه.
كان الأداء يصعد ويهبط وفق الحالة. حين يشتد الصراع، تتسع الحركة ويرتفع الصوت. وحين يعود مرزوق إلى وحدته، ينكمش المشهد من دون أن تنكمش الخشبة. في بعض الوقفات كان الفراغ حوله مرئيًا أكثر، وكأن المسرح نفسه يراقب ما يحدث له.
يتحدث عن المسرح المتعب، وعن الممثل الذي يُستنزف حتى آخر طاقته، وعن المخرجين والمؤسسات التي تستفيد من جسده وصوته ثم تتركه عندما يهرم. النقد مباشر أحيانًا، ولا يحاول الاختباء كله خلف الرمز. كلمة «مستهلك» وحدها كانت كافية.
هذه قسوة يعرفها الفن العربي جيدًا. يُحتفى بالفنان ما دام قادرًا على العطاء، ثم يصبح تاريخه عبئًا عليه. لا تُعامل الخبرة بوصفها تراكمًا، بل بوصفها علامة على أن صاحبها تأخر عن زمن جديد. ويُقال له إن المسرح للشباب، كأن دخول جيل جديد يحتاج بالضرورة إلى طرد من سبقه.
مرزوق نفسه لا يغلق المسرح على جيله، ولا يدعي أن الخشبة ملك له وحده. ما يرفضه هو أن يتحول التجديد إلى إلغاء، وأن تصبح الحداثة المسرحية اسمًا لبهرجة تضع التقنية مكان الفكرة، والمنشأة مكان الإنسان.
هذا أحد أهم خطوط المسرحية. هناك فرق بين تطوير أدوات المسرح وتحويل هذه الأدوات إلى غاية. التقنية تستطيع أن توسع خيال العرض، لكنها لا تستطيع أن تعوض غياب الروح. والديكور قد يخلق عالمًا، لكنه قد يصبح أيضًا جدارًا يفصل الممثل عن الخشبة التي يفترض أن تمنحه الحرية.
في “السيد خشبة” اختُبرت الفكرة بأقصى وضوح: مسرح شبه خالٍ، وممثل واحد. لا شيء تقريبًا بينهما.
وفوق هذا الفراغ نشأت الحيوية والألوان.
لم تكن ألوانًا مادية، بل حالات. مرة بدا المكان حادًا وعدائيًا، ومرة صار قريبًا من جلسة اعتراف، ثم تحول إلى مساحة شعر وحب، قبل أن يعود إلى ساحة صراع. زيناتي قدسية لم يحتج إلى نقل الكرسي مرات كثيرة أو اختراع وظائف متتالية للأشياء كي يصنع هذه التحولات. كان ينتقل بينها من داخله.
وعندما دخل الشعر، تغير الإيقاع. خرج مرزوق من لغته اليومية إلى مساحة أوسع. تحدث عن الحب وموت الحب، واستدعى نزار قباني ومحمود درويش، فاختلط الشخصي بما هو أبعد منه. لم يكن الانتقال ناعمًا دائمًا، وربما لم يكن مطلوبًا أن يكون كذلك. ذاكرة الرجل نفسها مضطربة ومثقلة، تفتح بابًا ثم تتركه إلى باب آخر.
تظهر في نص يوسف الحمدان لغة شعرية وغناء ودبكة واستدعاء للموت والعنقاء وذاكرة الممثل، لكن زيناتي أعاد توزيع هذه الروح داخل بنية أقرب إلى الحكاية الشفهية. لم يقدم المقاطع كلوحات منفصلة مكتملة، بل جعلها تنبثق من كلام مرزوق ثم تنقطع، كما يحدث لحكواتي تقوده كلمة إلى قصة وتقوده القصة إلى ذاكرة أخرى.
في بعض اللحظات، اقترب هذا التدفق من الهذيان المسرحي. كلمات وصور ومواقف تعود وتتكرر، كأن مرزوق يحاول الوصول إلى فكرة لا يستطيع الإمساك بها مرة واحدة. يعود إلى الألم نفسه بصيغ مختلفة، ويعيد المقاومة لأن الصوت يعيد طرده.التكرار هنا مقصود. ينقل مقدار الإنهاك النفسي أكثر مما يضيف معلومات جديدة.
لكن هذه البنية حملت مخاطرتها أيضًا. فالعرض يدور حول مركز واحد، ومع اتساع الاستدعاءات من المسرح إلى الحب والشعر والكتب والأرض والمقاومة، اقتربت بعض المقاطع من الابتعاد عن سؤال مرزوق الأول. لم تكن كل الانتقالات متساوية في وضوحها، ولم يصل كل مقطع بالقوة نفسها.مع ذلك، لم أفقد مرزوق داخلها.
حضور زيناتي قدسية أبقى الشخصية في الواجهة. حتى حين تذهب اللغة بعيدًا، يظل الرجل الذي يقولها حاضرًا: ممثل فقير، متعب، يحاول تمديد ساعته فوق الخشبة. لم تتحول الأشعار إلى فواصل مستقلة، بل بقيت جزءًا من مخزونه الأخير. حين لا يملك قوة مادية يقاوم بها، يستدعي ما قرأه وحفظه.ثم جاء مشهد الكتب.
يحكي مرزوق أنه اشترى صندوقين من الكتب، وجلس على الأرض ليبيعها. يبدأ بعرض شكسبير بعشرة دنانير، ثم يخفض السعر إلى سبعة. بعد ذلك يصبح مستعدًا لبيع الكتاب بنصف دينار، لا لأن قيمته انخفضت في نظره، بل لأنه جائع. إذا لم يبع كتابًا، لن يستطيع أن يأكل.طريقة المساومة كانت ساخرة. الموقف لم يكن كذلك.
رأيت فنانًا يبيع ما تبقى من ذاكرته كي يعيش. أسماء كبيرة من الأدب والشعر تتحول إلى بضاعة ينادي عليها في الطريق، بينما يمر الناس من دون شراء. ليس لأن مرزوق توقف عن الإيمان بالكتب، بل لأنه اصطدم بحاجته المباشرة إلى الطعام.
ماذا تفعل الثقافة أمام الجوع؟ لا يجيب المشهد بمحاضرة عن تراجع القراءة، ولم أحتج إلى ذلك. صورة الممثل الذي يساوم على ثمن شكسبير كانت كافية. الكتاب الذي منحه لغة يحاول الآن أن يمنحه وجبة، لكنه يفشل في المهمتين لأن لا أحد يريد شراءه.
استدعاء نزار قباني حمله نحو الحب، فيما فتح محمود درويش باب الأرض والمقاومة. وبين الاثنين، بدا مرزوق كأنه يجمع شتات حياته من الكتب التي قرأها. الحب الذي يموت، والأرض التي تُسلب، والمسرح الذي يطرد ممثله؛ جروح مختلفة، لكنها تلتقي في الخسارة ومحاولة الاحتفاظ بما يوشك أن يضيع.
لم يكن الشعر زينة لغوية. كان ملجأً.كلما حاصره الصوت، عاد إلى الكلمات. وكلما ضعفت كلماته الخاصة، استعان بأصوات أخرى. لا لينجو تمامًا، بل ليؤجل الهزيمة. وهذا ما يفعله العرض كله: لا يمنح مرزوق انتصارًا، لكنه يمنعه من السقوط بسهولة.
المقاومة في «السيد خشبة» ليست صورة بطولية مستقرة. هي جسد يترنح ثم يقف. صوت ينكسر ثم يسخر. رجل يعرف أنه قد يُطرد بعد انتهاء الساعة، لكنه يصر على استخدامها كاملة.
قرب النهاية، ظهر الكرسي بمعنى آخر.حكى مرزوق عن رجل كبير في السن يجلس وحده وينتظر. قرر أن يمنحه كتابين هدية، ربما ليقرأهما ويتسلى. لكن الرجل لم يكن ينتظر حافلة متأخرة، ولا موعدًا عاديًا. كان ينتظر منذ عام 1948.
هذه الحكاية غيّرت نهاية يوسف الحمدان تغييرًا جوهريًا. في النص الأصلي يعود الديكور أكثر ازدحامًا، وتعلو الموسيقى، ويغرق مرزوق في الألوان والفوضى حتى يختفي جسده داخل الخشبة، ولا تبقى ظاهرة إلا قطعته الخشبية. تنتهي الصورة بسؤال عن جدوى الخشبة للغريق إذا كان موته على اليابسة أشد فتكًا.
أما في عرض زيناتي قدسية، فلم تبتلع البهرجة مرزوق، ولم تعد المنشأة المسرحية لتقضي عليه. أخذ النهاية إلى حكاية رجل ينتظر العودة منذ عام 1948. انتقل من موت الممثل داخل المسرح إلى إنسان بقي خارج بيته، ينتظر حافلة لم تصل.
هذا التحويل منح العرض وجعًا تاريخيًا وإنسانيًا أكبر، لكنه حمل مخاطرة واضحة أيضًا. نهاية يوسف الحمدان تبقي الجرح داخل المسرح وتغلق الدائرة على الممثل والخشبة، بينما وسّع زيناتي الدائرة نحو الاقتلاع والعودة والأمية ومصير الكتاب. كادت الحكاية الفلسطينية بقوتها أن تسحب مرزوق من مركز المسرحية، لولا أن الانتظار جمع الرجلين: ممثل ينتظر اعتراف المسرح به، ورجل ينتظر أن يعيده الباص إلى بيته.قالوا لهم: اخرجوا سبعة أيام، وبعد أسبوع تعودون.
مرّ أكثر من أسبوع بكثير. وبقي الرجل ينتظر الحافلة التي ستعيده. يريد الوصول إلى بيته لأن أمه أخبرته، ساعة الخروج، أن البابور ما زال مشتعلًا. خافت أن يحمى ويحرق الدار، وطلبت منه العودة لإطفائه.هو ما زال يريد أن يرجع كي يطفئ البابور.
تفصيل صغير أمام تاريخ كامل من الاقتلاع، لكنه لهذا السبب كان أكثر إيلامًا. البيت لم يبق في ذاكرة الرجل فكرة سياسية مجردة. بقي مكانًا فيه أم وبابور مشتعل ومهمة لم تنتهِ. الزمن توقف هناك، فيما كبر الجسد على الكرسي وظل الانتظار كما هو.
لم يَعُد الكرسي مجرد قطعة وحيدة على خشبة فارغة. صار مكانًا لإنسان أُخرج أيامًا وبقي ينتظر العودة عقودًا.
قال له مرزوق: خذ هذين الكتابين هدية مني، اقرأهما وتسلَّ بهما.شكره الرجل، ثم قال إنه لا يعرف القراءة أو الكتابة.
وصلت المفارقة هنا إلى مكان مؤلم. مرزوق لم يستطع بيع الكتب كي يأكل، وحين قرر التخلي عن ثمنها ومنحها هدية، وجد رجلًا لا يستطيع قراءتها. الثقافة لا تجد مشتريًا، ثم لا تجد قارئًا. ومع ذلك تستمر الحكاية شفهيًا، من رجل إلى رجل، ثم فوق الخشبة.
الكتاب لم يصل، لكن القصة وصلت.عند هذه النقطة خرج العرض من حدود شكوى ممثل مسن، من دون أن يتركها تمامًا. مرزوق يريد العودة إلى المسرح، والرجل يريد العودة إلى بيته منذ عام 1948. كلاهما أُقصي عن مكان يراه حقًا طبيعيًا له، وكلاهما قيل له، بطريقة مختلفة، إن العودة مؤجلة.
لكن الربط بين الجرحين ليس متساويًا، ولا ينبغي أن يكون. اقتلاع إنسان من وطنه ليس تفصيلًا يمكن استخدامه لتكبير مأساة فنان. ما جمعهما في العرض هو فعل الانتظار نفسه، وبقاء الذاكرة حية حين تتصرف السلطة كأن الزمن كفيل بمحو الحق.
الرجل لم ينسَ البابور، ومرزوق لم ينسَ الخشبة.
هذه النهاية وسّعت معنى المقاومة. لم يعد السؤال هل يستطيع ممثل كبير في العمر الاحتفاظ بساعته، بل ماذا يفعل الإنسان حين يُطرد من المكان الذي كوّن ذاكرته؟ هل يكفي مرور الزمن كي يفقد حقه؟ وهل يصبح طول الانتظار حجة ضده؟
لم يكن في النهاية موت واضح ولا انتصار. بقيت المسرحية في منطقة موجعة بينهما. الصوت لم يختفِ، ومرزوق لم يهزمه، لكنه لم يغادر مطيعًا أيضًا. واصل الكلام والتمثيل والسخرية واستدعاء القصائد والحكايات، كأنه يعرف أن المقاومة الوحيدة المتاحة له هي ألا يصمت.
الخشبة التي بدأت فارغة لم تعد فارغة عند النهاية، امتلأت بممثل طُرد مرارًا ولم يخرج من داخله المسرح، وبكتب لم تجد من يشتريها، وبأشعار الحب والأرض، وبصوت سلطة لا يظهر وجهها، وبرجل ما زال ينتظر حافلة العودة منذ عام 1948. كل ذلك صنعه ممثل واحد وكرسي ومساحة مضاءة.
خرجت من «السيد خشبة» وأنا لا أفكر في مرزوق وحده. رأيت حالًا من أحوال المسرح العربي: متعبًا، مستهلكًا، ومطالبًا كل مرة بإثبات أنه ما زال يستحق الحياة. مسرحًا تزاحمه المنشآت والبهرجة والمصالح، بينما يقف الفنان في وسطه محاولًا حماية المساحة الأخيرة التي بقيت له.
لكنني رأيت أيضًا ممثلًا قادرًا على مقاومة ذلك كله من فوق الخشبة. زيناتي قدسية لم يحتج إلى أن يشرح قيمة الممثل؛ وضع نفسه وحده في فضاء فارغ وأثبتها. ملأ الخشبة، ضيّقها ووسّعها، أضحكني ثم أعادني إلى تعب مرزوق، قبل أن يتركني أمام رجل ينتظر العودة ليطفئ بابور البيت.

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!