أخبار الاردنمهرجان جرش 40واحة الثقافة

حين يصبح الانتظار وطنًا “حدث كل شيء إلا” مرثية مسرحية للإنسان في مهرجان جرش

فداء الحمزاوي-الشاهين الإخباري
ضمن فعاليات مهرجان جرش للثقافة والفنون في دورته الأربعين، قُدِّمت ديودراما “حدث كل شيء إلا” لتؤكد أن المسرح ما يزال قادرًا على مساءلة الإنسان وكشف هشاشته أمام آلة الحرب، ليس بوصفها حدثًا سياسيًا، وإنما باعتبارها كارثة وجودية تمتد آثارها إلى الذاكرة والروح والهوية.

لم يكن العرض مجرد حكاية عن الحرب، بل جاء بوصفه تشريحًا فلسفيًا للإنسان حين يفقد كل شيء، ويبقى عالقًا بين الذاكرة والانتظار. فمنذ اللحظة الأولى، يضع المخرج عيسى الجراح المتلقي داخل فضاء بصري شديد القسوة، حيث تتدلى قطع القماش من سقف الخشبة كأنها أرواح معلقة لم تجد طريقها إلى الخلاص، فيما تتناثر الأوراق على الأرض كصفحات تاريخ مزقتها الحروب، أو كرسائل لم تصل يومًا إلى أصحابها، لم يكن الديكور عنصرًا تزيينيًا، بل تحول إلى بنية دلالية موازية للنص، تستكمل ما تعجز الكلمات عن الإفصاح عنه.

اعتمد البناء الدرامي على ثماني لوحات تتصاعد تدريجيًا من رصد يومي اعتيادي لأخبار الحروب إلى انهيار الإنسان الكامل أمام آلة الموت، هذا التدرج لم يكن سرديًا بقدر ما كان رحلة داخل الوعي الإنساني، حيث تتحول الحرب من خبر في موجز إخباري إلى ندبة تسكن الجسد والروح.

قدمت آية البديري شخصية المرأة بوصفها ذاكرة الوطن المنهك، ولم تؤدِّ دور أم فقدت ابنها فحسب، بل جسدت الإنسان الذي تحوّل الانتظار لديه إلى أسلوب حياة. أداؤها اتسم بقدرة لافتة على الانتقال بين الانكسار والقوة، وبين الصمت والانفجار، فكانت طبقاتها الصوتية تتبدل وفق التحولات النفسية للشخصية دون افتعال، بينما جاءت لغة الجسد امتدادًا طبيعيًا للنص، فكل التفاتة، وكل ارتعاشة يد، وكل نظرة إلى الفراغ كانت تحمل معنى مستقلًا لا يقل تأثيرًا عن الكلمة المنطوقة، أما تعابير وجهها، فقد نجحت في ترجمة التناقضات الداخلية لشخصية أنهكتها الخسارات حتى غدا الصمت أكثر بلاغة من الكلام.

في المقابل، حضرت هاجر شاهين بوصفها الصوت الآخر للحرب، ذلك الصوت الذي لا يرى الإنسان إلا رقمًا في معادلة القوة، لم تكن شخصية مرئية داخل الحدث بقدر ما كانت تجسيدًا لخطاب الهيمنة والاستعلاء، فجاءت عباراتها المتكررة محملة بلغة الانتصار والقهر والتخويف، لتصنع تضادًا حادًا مع خطاب الأم الذي ينتمي إلى الحياة والذاكرة، وقد استطاعت شاهين أن تمنح هذا الصوت بعدًا دراميًا عميقًا من خلال التحكم الدقيق بطبقاتها الصوتية وإيقاع الإلقاء، حتى بدا حضورها وكأنه قادم من أجهزة الإعلام ومنصات السلطة أكثر من كونه صادرًا عن شخصية مسرحية.

الموسيقى والمؤثرات الصوتية لم تؤدِّ وظيفة المصاحبة، بل أصبحت شخصية خفية داخل العرض، فصفارات الإنذار، وأصوات القصف، والموجزات الإخبارية، والموسيقى الحزينة، جميعها صنعت إيقاعًا نفسيًا متوترًا، جعل المتلقي يعيش الحرب بوصفها حالة مستمرة لا تنتهي، لا حدثًا عابرًا يبدأ وينتهي بانطفاء الأضواء.

ومن أبرز جماليات النص أنه لم ينشغل بوصف المعارك، بل انشغل بما تتركه المعارك خلفها. فالحرب هنا ليست ساحة مواجهة بين جيشين، وإنما قوة عمياء تعيد تشكيل الإنسان من الداخل، فتجعل البيوت مقابر، والذكريات عبئًا، والانتظار عقوبة أبدية، لذلك جاءت الشخصيات الغائبة، الابن، والشاعر، وحفار القبور، والمتشرد، أكثر حضورًا من الشخصيات الظاهرة، لأنها تمثل مصائر مختلفة لإنسان واحد مزقته الحرب بطرق متعددة.

وتبلغ الفلسفة المسرحية ذروتها في الجملة الختامية، “حدث كل شيء إلا”، وهي خاتمة تترك الفراغ مقصودًا، لأن ما لم يحدث هو الحياة نفسها. فكل ما يمكن أن يصيب الإنسان وقع بالفعل، الموت، الفقد، التشرد، العزلة، الخراب، ولم يبق سوى المعنى الغائب الذي يتركه النص مفتوحًا أمام تأويلات المتلقي، إنها نهاية لا تمنح إجابة، بل تدفع الجمهور إلى البحث عن الكلمة الناقصة داخل تجربته الإنسانية الخاصة.

سينوغرافيا وإخراج عيسى الجراح اتسمت بوعي بصري واضح، اعتمد الاقتصاد في العناصر مقابل تكثيف الدلالات، فكانت الحركة والإضاءة والفراغ جزءًا من البناء الدرامي لا إطارًا له، وقد نجح في خلق حالة من التماهي بين النص والفضاء المسرحي، بحيث بدا كل عنصر على الخشبة موظفًا لخدمة الفكرة المركزية، دون فائض أو استعراض.

كما برزت إدارة الإنتاج التي تولّاها نشوان زريقات في تقديم عرض منظم حافظ على تماسكه الإيقاعي بين اللوحات، وأتاح للمنظومة البصرية والسمعية أن تعمل بتناغم، الأمر الذي انعكس على جودة التجربة المسرحية ككل.

في مجملها، قدمت ديودراما “حدث كل شيء إلا” واحدة من أكثر التجارب الإنسانية تأثيرًا في الدورة الأربعين من مهرجان جرش للثقافة والفنون، مؤكدة أن المسرح الحقيقي لا يروي الحروب، بل يكشف ما تفعله الحروب بالإنسان، وأن أكثر المآسي وجعًا ليست تلك التي تنتهي بالموت، بل تلك التي تترك أصحابها أحياء ينتظرون عودة يعرفون في أعماقهم أنها لن تأتي.

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!