
مسرحية الحاكورة مقال نقدي مسرحي ضمن فعاليات مهرجان المونودراما
الشاهين الاخباري ـ دعاء خلف
في وسط الخشبة كانت امرأة نائمة على الأرض، أو هكذا بدت للحظة. جسد متكوّر على نفسه، وهدوء لا يكشف إن كانت تحتمي من شيء وقع، أم تنتظر ما سيقع. لم تبدأ “الحاكورة” بالكلام. بدأت بجسد لينا فاعوري.
ثم جاء الضوء.
على جانب المسرح طاولة وكرسي، وفي الخلف لوح أسود تحيط به لوحتان بيضاوان. ديكور قليل وواضح، لا يحاول إخفاء واقعية الحكاية. ومنذ أن بدأ صوت المحقق بمباغتة المرأة، اتضح أن هذا الفراغ غرفة تحقيق، وأن المرأة المتكوّرة في وسطه ليست نائمة، بل عالقة في أيام السجن وفي السؤال نفسه: لماذا قتلت زوجك؟
“الحاكورة”، من فلسطين، أداء لينا فاعوري وإخراج سعيد سلامة، تضع امرأة معنّفة في مواجهة تحقيق لا يبدأ من سنوات الضرب والخوف، بل من اختفاء الزوج. رنين تعرف منذ اللحظة الأولى أنها مطالبة بالدفاع عن نفسها أمام جهة لم تدافع عنها حين كانت تطلب الحماية. ولذلك لا تجيب بهدوء. تبرر، تنكر، تغضب، تتذكر، وتدخل في التفاصيل ثم تفر منها إلى تفاصيل أخرى. كلامها ليس مرتبًا تمامًا، ولا ينبغي له أن يكون.
فالمرأة هنا ليست شاهدة على حكاية قديمة. ما زالت داخلها.
بدأ اللوح الأسود فارغًا، ثم أخذت رنين ترسم عليه خطوط الأيام التي أمضتها في السجن. بدا الفعل بسيطًا في البداية، لكنه تحول تدريجيًا إلى جزء من مقاومتها. المحقق يسأل، وهي تكتب. هو يريد اعترافًا، وهي تبني روايتها على الجدار. وفي كل مرة عادت إلى اللوح شعرت أن الزمن لا يمر عليها، بل يتراكم خلفها.
كان يمكن لهذا اللوح أن يكون مجرد خلفية، لكنه دخل في صلب العرض. صار تقويمًا للسجن، وذاكرة للبيت، ومساحة ترسم فوقها رنين ما لا تستطيع إحضاره إلى الزنزانة. إلى جانبه عملت لوحتا خيال الظل في اتجاهين: ظهر المحقق في إحداهما بوصفه ظلًا وصوتًا، واستعادت الممثلة في الأخرى بعض المواجهات مع الزوج.
اختيار المحقق ظلًا كان من القرارات الموفقة في الإخراج. لم نحتج إلى رؤية وجهه. سلطته وصلت من صوته، من السؤال المتكرر، ومن بقائه خلف الحاجز، بينما ظلت رنين وحدها في الضوء. هو يسأل من مكان آمن، وهي مضطرة إلى كشف حياتها كلها كي تثبت أنها كانت ضحية قبل أن تصبح متهمة.
هذه المفارقة حملت العرض أكثر من مرة.
غير أن أقوى استخدام لخيال الظل لم يكن في التحقيق، بل في مشهد التعنيف بين رنين وزوجها. هنا خرجت لينا فاعوري من السرد ودخلت التجربة بجسدها كاملًا. لم يكن الزوج حاضرًا، ومع ذلك ظهر ثقل يده وقوة دفعه ومحاولته خنقها. تراجعت أمام خصم لا نراه، قاومته، انكمشت، ثم حاولت الإفلات منه. للحظات صار الظل أكثر حقيقة من كثير من الكلام الذي سبق المشهد.
هذا هو المشهد الذي بقي معي.
أداء فاعوري فيه كان عاليًا ومضبوطًا، وفيه ظهرت لياقتها وقدرتها على جعل الجسد يروي ما لا تحتاج الجملة إلى شرحه. لم تقل لنا فقط إن رنين ضُربت؛ جعلت الضرب يقع أمامنا من جديد. الفارق كبير بين الحالتين، وهو الفارق نفسه بين أكثر لحظات العرض قوة وأضعفها: عندما تحركت الحكاية داخل الجسد، أصبحت حية. وعندما بقيت في السرد طويلًا، خفت توترها.
الممثلة حملت العمل وحدها بطاقة واضحة. انتقلت بين المرأة الخائفة، والأم التي تتعلق بابنتها ريما، والزوجة التي تمقتها رائحة زوجها، والمتهمة التي تهاجم المحقق، ثم المرأة التي ينفجر غضبها من أهلها لأنهم أعادوها إلى بيت العنف كلما حاولت الخروج منه. صوتها قوي، وحضورها قادر على ملء المساحة، وبلغ أداؤها ذروات عالية في مشاهد المواجهة والانهيار.
لكن العرض لم يبقَ عند هذه الذروة.
كانت هناك فترات يهبط فيها الأداء إلى جمود طويل. تحاول فاعوري أن تستعيد الحركة بتغيير نبرتها أو انتقالها إلى جزء آخر من الخشبة، لكن النص يعيدها إلى الكلام، ثم إلى مزيد من الكلام. وأمام ممثلة تملك هذه القدرة الجسدية، شعرت أحيانًا بأن الكلام يقيدها بدل أن يمنحها فرصة أوسع.
لحظات الصمت واجهت المشكلة نفسها. بعضها كان مشغولًا بذكاء، خصوصًا حين يأتي بعد انفعال حاد، فيترك الجسد يستوعب ما قالته الشخصية. صمت قصير، ونظرة، ثم عودة إلى التحقيق. في هذه اللحظات كان السكون جزءًا من رنين.
وفي لحظات أخرى كاد الصمت أن يفتك بإيقاع العرض.
طال أكثر مما يحتمل، وتحول من مساحة نفسية إلى فراغ بين مشهدين. ليس كل صمت توترًا، كما أن كثرة الكلام لا تعني أن المشهد يتحرك. «الحاكورة» وقعت بين الاثنين أحيانًا: سرد طويل، يليه توقف طويل، ثم عودة إلى السرد.
يظهر ذلك بوضوح حين تصف رنين يومها العادي. تستيقظ، توقظ ريما، تحممها، تلبسها، تمشط شعرها، تعدّ لها الطعام، تذهب إلى عملها، تعود إلى المنزل، تنظف وتغسل وتطبخ وتدرس للطفلة ثم تنيمها. تتراكم الأفعال كما تتراكم واجبات المرأة فوق جسدها، والفكرة في أصلها قوية؛ فهي تكشف أن التعنيف لا يقع في لحظة الضرب وحدها، بل داخل حياة كاملة تستنزف فيها المرأة حتى قبل وصول الزوج.
وصل هذا المعنى سريعًا. ثم استمر التعداد.
كان يمكن اختصار كثير من الكلمات بحركة واحدة تتكرر، ثم تتسارع حتى تتحول الأعمال اليومية إلى آلة تطحن رنين. فالمونودراما لا تعني أن تتحدث الشخصية طوال الوقت. هي تمنح الممثلة جسدًا كاملًا كي تصنع به البيت والعمل والطفلة والزوج والسجن. وفوق هذه الخشبة تحديدًا، أثبتت فاعوري في مشهد التعنيف أنها قادرة على ذلك.
لهذا بدا نقص الحركة قرارًا يهدر جزءًا من طاقتها.
النص نفسه غير مستقر في مستواه. في لحظات يخرج الكلام طبيعيًا، خشنًا، كأنه يُنتزع من حياة رنين مباشرة. حين تتحدث عن خوفها من وجود زوجها خلف ظهرها، يصبح الرعب محددًا ومؤلمًا: لا تثق بأن تدير ظهرها له، ولا تأمن أن تغمض عينيها وهو قريب منها. فكرة أن يكون الزوج سندًا، ثم يتحول ظهر المرأة في حضوره إلى منطقة خطر، وصلت من دون حاجة إلى تفسير.
كذلك بدت مواجهتها مع أبيها قاسية وصادقة. سنوات وهي تطلب الطلاق، وفي كل مرة يُطلب منها أن تتحمل. الأهل لا يضربونها بأيديهم، لكنهم يعيدونها إلى اليد نفسها. هنا وسّع العرض مسؤوليته عن العنف: الزوج ليس وحده. هناك بيت عائلي يخاف الطلاق أكثر مما يخاف على ابنته، وجهة تلقت شكاواها ولم توقف ما يحدث، وبيئة كاملة طالبتها بالصبر ثم وقفت أمام النتيجة متفاجئة.
في مواضع أخرى أصبحت اللغة مباشرة وخطابية. تتراجع رنين قليلًا، وتتقدم القضية بدلًا منها. تشرح المسرحية موقفها من العنف، ومن تقصير التحقيق، ومن المجتمع، مع أن الوقائع التي عرضتها كانت كافية. جسد المرأة في الافتتاح، والخطوط على اللوح، وخوفها من النوم، ومشهد الخنق، كلها قالت ما تريد المسرحية قوله.
ربما قالت أكثر.
الإضاءة كانت من العناصر التي تماسكت طوال العرض. لم تستخدم لتجميل المشهد، بل لتحديد حالته: زنزانة، ذكرى، مواجهة، أو عودة إلى التحقيق. ولأن خيال الظل جزء رئيسي من البناء، أصبح الضوء فعلًا دراميًا، يظهر السلطة من خلف الحاجز ويعيد العنف من الذاكرة. أحيانًا كان يكفي أن يتبدل اتجاهه كي أعرف أن رنين غادرت لحظتها الراهنة وعادت إلى البيت.
الموسيقى والمؤثرات ساعدتا أيضًا في شحن بعض الانتقالات والمواجهات، لكن مستوى الموسيقى ارتفع في أوقات فوق صوت الممثلة، فضاعت كلمات داخلها. في عمل قائم على شهادة امرأة واحدة، يجب ألا يُدفع صوتها إلى الخلف، ولو للحظة. الموسيقى خدمت العرض عمومًا، لكنها احتاجت إلى أن تعرف متى تتراجع.
ويبقى السؤال الذي رافقني منذ منتصف المسرحية تقريبًا: أين الحاكورة؟
لم أبحث عن شجرة حقيقية ولا عن تراب أو دالية مصنوعة على الخشبة. العرض اختار الاقتصاد في عناصره واعتمد الخيال، وهذا يكفي. لكنني بحثت عن المكان داخل الإيقاع، وفي حركة رنين، وفي الضوء. بحثت عن اختلاف محسوس بين البيت الذي تخافه والحاكورة التي تلجأ إليها مع ابنتها.
لم أجده إلا جزئيًا.
في الحكاية، الحاكورة هي المتنفس الوحيد لرنين وريما. هناك تلعبان تحت الشجرة، وتقطفان العنب، وتعيشان لحظات لا يحكمها الزوج. وهي أيضًا المساحة الخلفية التي يعقد فيها الزوج وصديقه اتفاقاتهما الغامضة، قبل أن تتحول في النهاية إلى قبر. بهذا المعنى، الحاكورة ليست اسمًا شاعريًا اختير للعمل، بل مركز حكايته الأخلاقي والبصري: ملاذ تلوث، ثم صار مكانًا لإخفاء الجريمة.
على الخشبة حضرت الزنزانة أكثر. وحضر البيت أكثر. حتى الزوج الغائب بدا أوضح منها.
كانت الحاكورة تمر في الكلام ثم تنسحب، مع أنها المكان الوحيد القادر على إحداث تحول بصري ونفسي في حياة رنين. كان يكفي أن يتغير جسدها حين تدخلها في الذاكرة؛ أن تتنفس بصورة مختلفة، أن تتسع خطواتها، أن يخف انكماش كتفيها قليلًا. عندها كنا سنعرف أننا وصلنا إلى الحاكورة قبل أن تنطق اسمها.
المفارقة أن العرض نجح في صناعة أمكنة لا نراها. صنع بيتًا وزوجًا وغرفة طفلة ومشهد خنق، لكنه لم يمنح المكان الذي يحمل اسمه القوة نفسها. هذه ليست مشكلة ديكور، بل مشكلة توزيع للثقل داخل العرض.
العنوان رفع الحاكورة إلى الواجهة. الإخراج أبقاها في الحكاية.
حين يصل الاعتراف، نعرف أن رنين قتلت زوجها فعلًا. بعد إنكار طويل، تروي كيف سممته، وراقبته وهو يحتضر، ثم سحبته إلى الحاكورة ودفنته وصبت الباطون فوقه. لا يقدم المشهد جريمة غضب عابرة؛ ثمة تخطيط وبرودة وانتظار. وهنا تصبح رنين أصعب من صورة المرأة الضحية التي حاولت الدفاع عنها طوال التحقيق.
وهذا جيد.
العمل لا يحتاج إلى بطلة بريئة تمامًا. قوته الحقيقية كامنة في هذه المنطقة المقلقة: امرأة تعرضت للعنف سنوات، طلبت النجدة ولم تجدها، ثم ارتكبت جريمة. فهم ما دفعها إلى القتل لا يجعل القتل بسيطًا، وإدانة فعلها لا تمحو ما فُعل بها. تمنيت لو بقي العرض وقتًا أطول داخل هذا الالتباس بدل أن ينتقل سريعًا إلى خطاب يشرح تقصير المحقق ويعدد الأدلة التي كان يستطيع العثور عليها.
بعد الاعتراف، بدت المسرحية حريصة على إغلاق ملفها. تخبر رنين المحقق بمكان التسجيلات، وبالأدلة التي أخفتها، وبالإشارات التي وضعتها أمامه. تكشف أنها كانت تقوده إلى الحقيقة منذ البداية. غير أن النهاية لم تكن بحاجة إلى إثبات ذكائها بهذه الدرجة. كان يكفي أن تقول أين دفنت الزوج.
في الحاكورة.
المكان الذي خبأت فيه لحظاتها القليلة مع ابنتها أصبح مكانًا تخفي فيه الجثة. الملاذ والقبر في رقعة واحدة. هذه الصورة وحدها أقوى من المرافعة التي تلتها، وأشد قسوة من النهاية الخطابية.
“الحاكورة” تحمل قضية حقيقية، ويملك عرضها أدوات جيدة: ممثلة ذات طاقة ولياقة، إضاءة واعية، استخدام مؤثر لخيال الظل، ومشهد تعنيف يصعب نسيانه. لكنها تحتاج إلى ثقة أكبر بهذه الأدوات، وإلى كلمات أقل. تكثيف المشاهد السردية، وضبط الصمت، وتخفيف الموسيقى حين تتكلم رنين، ومنح الجسد مساحة أوسع؛ كل ذلك سيعيد إلى العرض توترًا كان حاضرًا ثم يفلت منه.
والأهم أن تتسع الحاكورة.
خرجت وأنا أتذكر المرأة متكوّرة على الأرض، ثم جسدها وهو يقاوم زوجًا لا يظهر إلا كظل. أما الحاكورة، المكان الذي احتمت فيه بابنتها ثم دفنت فيه زوجها، فبقيت أبحث عنها حتى النهاية.
وجدتُ القبر ولم أرَ الملاذ بما يكفي.












