أخبار الاردنمهرجان جرش 40واحة الثقافة

“الجنين”حين يتحول الجسد إلى وطن مؤجل

فداء الحمزاوي-الشاهين الإخباري
تصوير-علاء قداح

على خشبة مهرجان المونودراما، ضمن فعاليات الدورة الأربعين من مهرجان جرش للثقافة والفنون، لم يقدم الفنان الليبي حسين العبيدي عرضًا مسرحيًا بقدر ما رسم رحلة بصرية داخل ذاكرة الإنسان العربي، في مونودراما صامتة حملت عنوان “الجنين”، أخرجها وصمم سينوغرافيتها عواض الفيتوري، وتولى إدارتها حمزة القماطي.

منذ اللحظة الأولى، يقف الجسد داخل مربع أبيض مرسوم على الخشبة، مساحة تبدو للوهلة الأولى محددة، لكنها سرعان ما تتحول إلى رحم، ثم إلى قبر، ثم إلى حدود وطن لا يستطيع العبور منها، يراقص الممثل قطعة قماش بيضاء كما لو كانت عروسًا في ليلة زفاف، قبل أن تنقلب هذه البراءة تدريجيًا إلى هشاشة وجودية تتآكل تحت وطأة الزمن.

الزمن هنا ليس مجرد خلفية، بل شخصية أخرى في العرض. عقارب الساعات التي تدور على الشاشة الخلفية لا تقيس الدقائق، بل تستنزف الأعمار، بينما يتحول الجسد إلى لعبة ميكانيكية تكرر حركتها في عبثية تشبه دوران البشرية داخل دوامة الحروب.

وفجأة، تقطع صفارات الإنذار هذا الإيقاع، ضوء أحمر، هدير الطائرات، صرخات النساء، بكاء الأطفال، عالم كامل ينهار فوق الخشبة دون أن تُنطق كلمة واحدة، يلتقط العبيدي دمية صغيرة يحتضنها كما لو أنها آخر ما تبقى من الحياة، في استحضار بصري كثيف لأطفال غزة الذين أصبحوا عنوانًا للبراءة المذبوحة في زمن الحرب.

يتحول الجسد لاحقًا إلى أسير، عينان معصوبتان، صوت عاجز عن الخروج، ومحاولات يائسة للتنفس قبل أن يغمر رأسه في الماء، في صورة تختزل قسوة السجون وما يتعرض له الأسرى الفلسطينيون من تعذيب وانتهاك للكرامة الإنسانية، هنا لا يحتاج العرض إلى خطاب سياسي، فالجسد وحده يصبح وثيقة اتهام.

وفي كل مرة يبدو أن الخلاص بات قريبًا، تُسحب قطعة القماش التي تشبه العلم الفلسطيني من بين يديه، وكأن الحلم نفسه يُنتزع قبل أن يكتمل، إنها استعارة مؤلمة لوطن يظل حاضرًا في الوجدان، بعيدًا عن متناول اليد.

اللون الأحمر الذي يغلف الجسد لاحقًا لا يبدو مجرد قماش، بل جلدًا جديدًا من الألم، بينما تتحول الأوراق المتناثرة إلى ذاكرة مثقلة بالخسارات، فيغدو الغضب فعلًا وجوديًا أكثر منه رد فعل.

ومع أغنية “أجيال ورا أجيال”، ينبش التراب بيديه، لا بحثًا عن أدوات، بل عن جذور وهوية وتاريخ، ومن حفنة التراب تولد الكوفية الفلسطينية، فيرتديها قبل أن يبدأ بإلقاء الحجارة، مستحضرًا أيقونة الطفل الفلسطيني الذي واجه آلة الحرب بحجر، محولًا المقاومة إلى فعل فطري يولد مع الإنسان كما يولد الجنين.

وينتهي العرض بالصورة الأكثر شاعرية وقسوة في آن واحد، جنين داخل رحم أمه، يليه ممر مستشفى وصوت إعلان توقف الحياة، وكأن المسرحية تعلن أن الإنسان في هذه البقعة من العالم قد يُحكم عليه بالموت قبل أن يرى النور، وأن الولادة والموت أصبحا وجهين للحكاية نفسها.

اعتمد عواض الفيتوري على سينوغرافيا مقتصدة، لكنها عالية الكثافة الدلالية، حيث تحول الضوء، والصمت، والصورة، والقماش، والتراب إلى مفردات درامية موازية لأداء الممثل، فيما حمل حسين العبيدي العرض كاملًا بجسد امتلك قدرة لافتة على إنتاج المعنى دون الاستعانة بالكلمة، مستندًا إلى لغة حركة دقيقة، وإيقاع داخلي حافظ على تماسك العمل حتى لحظاته الأخيرة.

“الجنين” ليس عرضًا عن الحرب فحسب، ولا عن فلسطين وحدها، بل عن الإنسان حين يولد داخل دائرة من الخوف، ويحاول أن يصنع من ذاكرته وطنًا، ومن جسده حكاية، ومن صمته صرخة تعبر الحدود.

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!