تكنولوجيا

مؤتمر العالم للذكاء الاصطناعي لعام 2026: الارتقاء بالتعاون الصيني العربي في مجال الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة جديدة

سون دي قانغ ووانغ شياو يو

مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة فودان

الشاهين الإخباري

أصبح الذكاء الاصطناعي قوة مهمة تدفع الابتكار التكنولوجي العالمي والتحول الاقتصادي والاجتماعي. ومع التطور السريع للتقنيات ذات الصلة، تجاوز تأثيرها حدود الاختراقات التقنية البحتة، وأصبح يمتد تدريجياً إلى مجالات متعددة تشمل التنمية الصناعية والحوكمة العامة والخدمات الاجتماعية. وفي الوقت نفسه، أدى التطبيق المتسارع لهذه التقنيات إلى ظهور تحديات عالمية جديدة، من بينها المخاطر الأمنية، وقواعد الحوكمة، والفجوات التنموية. وانعقد مؤتمر العالم للذكاء الاصطناعي لعام 2026 والمؤتمر رفيع المستوى للحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي تحت شعار “الشركاء الأذكياء، المستقبل المشترك”، حيث تركزت أعماله حول قضايا الابتكار التكنولوجي والتطبيقات العملية والتعاون في مجال الحوكمة. وشكل المؤتمر منصة مهمة لتعزيز التبادل والتعاون في مجال الابتكار، وتعميق التعاون في الحوكمة العالمية، واستكشاف سبل الاستفادة من التقنيات الجديدة في دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

بالنظر إلى مسيرة تطور مؤتمر العالم للذكاء الاصطناعي، توسعت مجالات الاهتمام والقضايا المطروحة في المؤتمر بشكل مستمر، حيث امتدت تدريجياً من الابتكار التكنولوجي والتطبيقات الصناعية إلى التعاون في مجال الحوكمة والتنمية المشتركة. وفي السنوات الأخيرة، ومع تسارع دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية، أصبح تحقيق التوازن بين دفع الابتكار والتنمية وتعزيز الحوكمة المنظمة من القضايا المهمة التي يواجهها المجتمع الدولي بشكل مشترك.

وأكد الرئيس شي جين بينغ في كلمته الرئيسية خلال الجلسة الافتتاحية لمؤتمر العالم للذكاء الاصطناعي لعام 2026، بالتزامن مع المؤتمر رفيع المستوى للحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي، ضرورة دفع بناء نظام أكثر عدلاً وإنصافاً للحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي، وتعزيز التعاون الدولي، بما يمكّن شعوب جميع الدول من الاستفادة بشكل أفضل من ثمار تطور الذكاء الاصطناعي. ويمثل ذلك توجهاً مهماً للمجتمع الدولي لاستكشاف سبل الابتكار التكنولوجي، وتعزيز التعاون في مجال الحوكمة، وتقاسم ثمار التنمية.

يمثل التبادل بين الصين والدول العربية في مجال الذكاء الاصطناعي استكشافاً عملياً يجسد التكامل بين الابتكار التكنولوجي واحتياجات التنمية. وفي السنوات الأخيرة، واصل الجانبان توسيع مجالات الابتكار العلمي والتكنولوجي، وجعلا من الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية ذات الصلة مكوناً مهماً لدفع التحول الرقمي، وتنمية الصناعات المستقبلية، وتعزيز التبادل العلمي والتكنولوجي. ومع توسع مجالات التبادل بين الجانبين، انتقلت هذه العلاقات تدريجياً من مجرد نقل التقنيات واستكشاف التطبيقات إلى مجالات أكثر تنوعاً تشمل تطوير التطبيقات العملية، وتنمية الكفاءات، وبناء القدرات الابتكارية.

ويستند تعميق التعاون بين الصين والدول العربية في مجال الذكاء الاصطناعي إلى التكامل بين احتياجات التنمية والمزايا والقدرات لدى الجانبين. وبالنسبة إلى الدول العربية، أصبحت تقنيات الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية ذات الصلة أداة مهمة لدفع التنويع الاقتصادي، وتنمية الصناعات المستقبلية، وتعزيز القدرة على تقديم الخدمات العامة. وتعمل دول مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر بنشاط على تعزيز التخطيط الاستراتيجي في مجال الذكاء الاصطناعي، وتطبيق هذه التقنيات في مجالات الخدمات الحكومية والتعليم والرعاية الصحية وتطوير القطاع الصناعي؛ كما تواصل دول مثل مصر والمغرب والأردن استكشاف مجالات التحول الرقمي وتنمية الكفاءات وبناء القدرات الابتكارية. وفي المقابل، راكمت الصين خبرات واسعة في مجالات الابتكار التكنولوجي والتطبيقات الصناعية وبناء البنية التحتية الرقمية، مما يوفر دعماً مهماً لتعميق التبادل وتعزيز التعاون بين الجانبين.

وفي هذا السياق، يشهد التعاون بين الصين والدول العربية في مجال الذكاء الاصطناعي انتقالاً تدريجياً من التعاون التقني التقليدي إلى نموذج متعدد المستويات يركز بصورة أكبر على مجالات التطبيق العملي، وبناء القدرات، وتعزيز التعاون الابتكاري، وقد أفرز هذا التعاون مجموعة من التجارب العملية ذات الدلالة.

فعلى مستوى تكييف التقنيات مع الاحتياجات المحلية، أطلق باحثون صينيون وسعوديون بشكل مشترك نموذجاً لغوياً كبيراً مفتوح المصدر مخصصاً للغة العربية تحت اسم “إيس جي بي تي”(AceGPT). ومن خلال تطويره بما يتناسب مع خصائص اللغة العربية واحتياجات المستخدمين في المنطقة، ساهم هذا النموذج في تعزيز قدرة التقنيات ذات الصلة على التكيف مع البيئة اللغوية والاجتماعية المحلية.

وفي مجال الخدمات العامة، تعاونت شركة شين يي للذكاء الاصطناعي (Synyi AI) مع مجموعة الموسى الصحية في المملكة العربية السعودية لإطلاق المساعد الطبي الذكي “الطبيب هوا” (Dr. Hua) في منطقة الأحساء، بما يتيح استكشاف نموذج جديد لاستخدام التقنيات الذكية في دعم الخدمات الصحية. كما تعاونت شركة بايدو (Baidu) للحوسبة السحابية مع الهيئة السعودية للسياحة، حيث جرى توظيف النماذج اللغوية الكبيرة وتقنيات الترجمة الذكية والشخصيات الرقمية في الخدمات السياحية، بما يسهم في تحسين تجربة الزوار في البيئات متعددة اللغات.

أما في مجال بناء القدرات، فقد أطلقت شركة سينس تايم للشرق الأوسط وأفريقيا (SenseTime MEA) بالتعاون مع مؤسسة الملك عبدالعزيز ورجاله للموهبة والإبداع في المملكة العربية السعودية (Mawhiba) برامج تدريبية في مجال الذكاء الاصطناعي، كما تعاونت شركة هواوي (Huawei) مع الجامعات المصرية في مجال التعليم والتدريب في الذكاء الاصطناعي، بما يدعم تنمية الكفاءات الرقمية المحلية. وتعكس هذه التجارب أن التعاون بين الصين والدول العربية في مجال الذكاء الاصطناعي يتجه نحو نموذج أكثر شمولاً يقوم على الربط بين الاحتياجات المحلية، وتطوير التطبيقات، وتنمية القدرات، بما يعزز دور التقنيات الحديثة في خدمة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ويجسد أهمية الانفتاح والتعاون في دفع تطبيق التقنيات وتعزيز القدرات.

وبالنظر إلى المستقبل، يمكن للصين والدول العربية مواصلة تعزيز التواصل في مجال السياسات، وتعميق التعاون الابتكاري، ودفع بناء القدرات، بما يسهم في انتقال التبادلات والتعاون بين الجانبين من التعاون القائم على مشاريع محددة إلى نموذج أكثر تكاملاً ومتعدد المستويات للتعاون.

أولاً، يمكن للجانبين تعزيز التبادل في مجال حوكمة الذكاء الاصطناعي، بما يوفر بيئة أكثر استقراراً لتطبيق التقنيات ذات الصلة وتطويرها. ومع دخول التقنيات الناشئة بصورة متسارعة إلى مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية، أصبح تحقيق التوازن بين الابتكار والتنمية وتعزيز الحوكمة المنظمة، وضمان التنمية الآمنة والصحية، من القضايا المهمة التي تواجهها دول العالم بشكل مشترك. ويمكن للصين والدول العربية تعزيز التواصل حول استراتيجيات التنمية، وأطر تنظيم تطبيق التقنيات، وخبرات الحوكمة، والوقاية من المخاطر، واستكشاف سبل للحوكمة تتناسب مع احتياجات التنمية الخاصة بكل دولة.

ثانياً، يمكن للجانبين مواصلة تعميق التعاون في مجال الابتكار، وتعزيز التكامل بين تطبيق التقنيات والتنمية الصناعية. ولا يعتمد تطور الذكاء الاصطناعي على الاختراقات التقنية فحسب، بل يحتاج أيضاً إلى إقامة آليات تعاون طويلة الأمد بين الجامعات والمؤسسات البحثية والشركات. وتعمل الدول العربية بنشاط على تعزيز التخطيط الاستراتيجي في هذا المجال، وبناء القدرات البحثية، وتنمية الكفاءات الرقمية، في حين راكمت الصين خبرات واسعة في مجالات الابتكار التكنولوجي والتطبيقات الصناعية وبناء البنية التحتية الرقمية. ويمكن للجانبين، من خلال التبادل البحثي، وتنمية الكفاءات، وتبادل المعرفة، والتعاون الصناعي، دفع التعاون بينهما من التعاون القائم على المشاريع إلى تعاون ابتكاري أكثر عمقاً.

ثالثاً، يحمل التعاون بين الصين والدول العربية في هذا المجال أهمية تنموية أوسع، ويمكن أن يوفر خبرات وتجارب مفيدة للدول النامية للمشاركة في تطوير التقنيات الجديدة ودفع التحول الرقمي. وتواجه الصين والدول العربية مهمة مشتركة تتمثل في الاستفادة من التقنيات الجديدة لدفع مسيرة التحديث، إلا أن الدول تختلف من حيث مراحل التنمية والهياكل الصناعية والاحتياجات الاجتماعية، الأمر الذي يتطلب استكشاف نماذج تنموية تتناسب مع الظروف الوطنية لكل دولة عند توظيف هذه التقنيات. ويمكن للخبرات التي اكتسبها الجانبان الصيني والعربي في مجالات تطبيق التقنيات، وتنمية الكفاءات، والممارسات الابتكارية، أن توفر مرجعاً مفيداً للدول النامية الأخرى في رفع قدراتها الرقمية ودفع التحول الصناعي.

وبمناسبة انعقاد مؤتمر العالم للذكاء الاصطناعي لعام 2026، يمكن للصين والدول العربية مواصلة تعزيز التواصل في مجال السياسات، وتعميق التعاون الابتكاري، ودفع تبادل الخبرات، بما يسهم في استكشاف سبل جديدة لتوظيف التقنيات الناشئة في خدمة التنمية الاقتصادية والتقدم الاجتماعي. ومن التعاون في مجال الطاقة إلى التعاون الرقمي، وصولاً إلى الابتكار العلمي والتكنولوجي، تواصل العلاقات الصينية العربية توسيع مجالاتها وتعميق مضمونها. وسيصبح الذكاء الاصطناعي حلقة وصل مهمة تربط بين التنمية المستقبلية للجانبين الصيني والعربي، كما سيوفر تجارب عملية جديدة لتعزيز تقاسم ثمار التكنولوجيا، ودعم مشاركة الدول النامية في الابتكار العلمي والتكنولوجي والتحول الرقمي.

زر الذهاب إلى الأعلى