واحة الثقافة

المخرج العربي العالمي مصطفى العقاد: صناعة الصورة بين الفن والسياسة. نقد سينمائي

الشاهين الإخباري – دعاء مأمون خلف

كنت في العاشرة أو نحوها حين رأيت “الرسالة” لأول مرة. كان ذلك في بيتنا، ضمن برمجة رمضانية لا تخرج عنها القناة الأرضية سنة بعد سنة. لم أفهم في تلك السن شيئًا عن التمويل الليبي ولا عن غضب السعودية من المغرب، ولا حتى عن كون المخرج سوريًا يحمل جنسية أمريكية. كل ما فهمته أن هناك فيلمًا لا يُظهر بطله، وأن هذا الغياب، بدل أن يُفقدني الاهتمام، جعلني أراقب الشاشة بحرص أكبر، كمن يبحث عن شيء يعرف أنه لن يجده لكنه يستمر في البحث. أعود إلى هذا الفيلم بعد ثلاثين عامًا وأكثر، لا لأكتب عنه إشادة موسمية، بل لأفهم أخيرًا: من كان الرجل الذي فكّر بهذه الحيلة الإخراجية، وماذا بقي من مشروعه غير هذا الفيلم الواحد الذي يعرفه كل بيت عربي؟

مصطفى العقاد لم يكن مخرجًا “غزير الإنتاج” بالمعنى المتعارف عليه. أخرج فيلمين كبيرين فقط، وأنتج عشرات الأفلام الأخرى بينها سلسلة رعب أمريكية لا تربطها بالإسلام أو العرب علاقة من أي نوع. هذه المفارقة وحدها، لو توقفنا عندها قليلًا، تكفي لتفكيك الصورة الجاهزة عنه بوصفه “مبشّرًا سينمائيًا”. الرجل كان تاجرًا أولًا، ثم صانع رسالة حين سنحت له الفرصة. وهذا ليس انتقاصًا منه، بل هو – في تقديري – مفتاح فهم كل ما فعله بعد ذلك.

وُلد في حي الأزبكية بحلب مطلع تموز 1930. عائلة متوسطة، لا صلة لها بالفن، ومحيط اجتماعي كان يرى في هذا النوع من الأحلام ترفًا لا يصلح لأبناء الحارة. الرواية المتداولة عن سفره تقول إنه غادر وهو في التاسعة عشرة حاملًا ثمن تذكرة الطائرة ونسخة من القرآن، وهذا كل ما استطاع والده أن يمنحه. لا أعرف إن كانت هذه التفصيلة دقيقة بحذافيرها أم أنها من ذاك النوع من الحكايات التي تُصقل بمرور الزمن حتى تصبح أجمل من الواقع نفسه. لكنها، دقيقة أو مصقولة، تقول شيئًا صحيحًا عن الرجل: أنه حمل معه إلى أمريكا هويتين في حقيبة واحدة، ولم ير بينهما تناقضًا يستدعي الاختيار.

درس الإخراج وفنون المسرح في جامعات كاليفورنيا. عمل أولًا موظفًا في NBC، حيث أنتج مواد وثائقية عن الجماعات العرقية الأمريكية. وهنا حادثة صغيرة، من تلك التي تُروى دائمًا في سيرته لكنها تستحق التوقف: عرضت عليه المحطة راتبًا أعلى بشرط أن يتنازل عن حقه في وضع اسمه على العمل. رفض. بسيطة كهذه القصص، لكنها تفسر لاحقًا عنادًا سيظهر في أخطر لحظة من حياته المهنية، حين رفض التنازل عن رؤيته لـ”الرسالة” أمام أي ممول.

افتتح مكاتب لشركته في بيروت ولندن وهوليوود. ودخل الصناعة الأمريكية عام 1962 مخرجًا ومنتجًا، وبقي فيها قرابة خمسة وأربعين عامًا؛ ليكون أول عربي يدخل هوليوود من الباب الأمامي لا من باب الخدم.

لا يحب كثيرون التذكير بهذا، لكنه ضروري: الرجل الذي صنع “الرسالة” هو نفسه من أنتج سلسلة “هالوين”. حين جاءه جون كاربنتر بسيناريو فيلم رعب متواضع الميزانية عام 1978، أنتجه العقاد، وتحوّل الفيلم إلى ظاهرة مربحة صنعت واحدة من أعمدة سينما الرعب الأمريكية حتى يومنا.

لست أرى في هذا تناقضًا يستدعي الدفاع عنه أو تبريره، كما يفعل بعض من يكتب عن العقاد بحرج واضح كأنهم يخفون عن القارئ سِرًّا معيبًا. بل أراه العكس تمامًا: من دون أرباح “هالوين”، لم يكن “الرسالة” ليجد الجسارة المالية والنفسية لصانعه على المجازفة بمشروع خاسر تجاريًا سلفًا. عقاد الرعب مهّد الطريق لعقاد الرسالة الحضارية. هذا ليس تناقضًا في الشخصية، بل هو الشخصية نفسها: رجل يعرف كيف يمول أحلامه بيده لا بيد أحد آخر.

القرار الذي اتخذه العقاد بعدم تجسيد النبي محمد ﷺ ولا كبار الصحابة بوجوه ممثلين لم يكن، كما يظن كثيرون، مجرد التزام فقهي فرضته عليه لجان الأزهر التي استعان بها. هذا الالتزام كان الشرط، لكن ما فعله العقاد بهذا الشرط هو الفن. حوّل الغياب إلى أداة سردية: صار النبي حاضرًا في الظل الذي يعبر الكادر، في ردود الفعل المرتسمة على الوجوه، في الصوت الذي يخاطبه الآخرون فيرد عليهم بما لا نسمعه. لا أعرف مخرجًا آخر واجه هذا القيد نفسه وحوّله إلى ميزة جمالية بهذا الإتقان. هذه، عندي، أكثر لحظة عبقرية في مسيرته كلها، ولا أقولها مجازًا.

لكن دعوني أكون صريحة في نقطة تُغضب كثيرين: الفيلم ليس وثيقة تاريخية أمينة في كل تفصيلة، وتصويره لبعض الشخصيات الثانوية – مثل مشهد التاجر المرابي الشهير – سقط في نمطية اختزالية لا تُغتفر بحجة أنها “خدمت الدراما”. العقاد استعان بلجان شرعية لضبط المحتوى الديني، لكن هذا لم يحصّن الفيلم من التبسيط، ولا من قراءات نقدية جادة رأت فيه بناءً يقدّم “المثال الأخلاقي” على حساب تعقيد التاريخ الحقيقي. المشكلة ليست في وجود هذا التبسيط – فكل سينما جماهيرية تبسّط – بل في أن النقد العربي، منذ عرض الفيلم إلى اليوم، عامله بحصانة شبه دينية جعلته خارج دائرة المساءلة الفنية العادية. لم أجرؤ، كغيري من النقاد، على قول ما أقوله الآن إلا إنني لا أرى في قوله انتقاصًا من قيمة الفيلم، بل احترامًا له يكفي أن نتعامل معه كفيلم، لا كنص مقدس.

موسيقى موريس جار كانت، من دون مبالغة، من أقوى ما قدّمته السينما الملحمية في تلك الحقبة، وحضورها في موسم الأوسكار لم يكن مجاملة. أعتقد أن هذه الموسيقى وحدها فعلت للفيلم أكثر مما فعل السيناريو نفسه في ترسيخه بالذاكرة الجماعية؛ نحن نتذكر لحن الفيلم أكثر مما نتذكر حواراته.

إن كان “الرسالة” عن الحضور الروحي، فـ”أسد الصحراء” عن المقاومة العارية بلا غلاف روحي. مُوّل بمال ليبي في عهد القذافي، بميزانية بلغت نحو 35 مليون دولار، وهذا رقم ضخم بمعايير الثمانينيات. اختار العقاد أنطوني كوين لعمر المختار، وأوليفر ريد لغراتسياني،رود ستايجر لموسوليني. أداء كوين كان استثنائيًا. منح الشخصية إنسانية بعيدة عن صورة “المقاوم المسلّح” المسطحة، وقدّمه رجل دين وحكيمًا لا مجرد محارب.

ثم منعت إيطاليا الفيلم من العرض بالكامل، ولم يُرفع الحظر إلا عام 2009، بعد زيارة سياسية جمعت القذافي برئيس الوزراء الإيطالي. تجاريًا، خسر الفيلم أغلب ميزانيته عند عرضه الأول. وهنا سؤال لا أجد له جوابًا مرضيًا تمامًا: هل كان العقاد يصنع سينما استخدمت المال السياسي كوسيلة، أم كان يصنع بيانًا سياسيًا استخدم السينما كواجهة؟ أظنه كان يفعل الاثنين، بلا وعي كامل بأنه يفعلهما، وهذا بالضبط ما أثقل أفلامه الكبرى بتُهمة لم تُغادرها: أنها ممولة من أنظمة ذات أجندة، فكيف نصدّق حيادها الفني؟ لا أملك جوابًا حاسمًا. أظن أن نيته كانت صادقة، وأظن في الوقت نفسه أن الصدق الشخصي لا يكفي لتبرئة مشروع من شبهة التسييس حين يكون مصدر تمويله حاكمًا مطلقًا يريد شيئًا لنفسه من هذا الفيلم أيضًا.

لم يكن العقاد مجدد شكل. لم يخترع نحوًا بصريًا جديدًا، بل استعمل قواعد السينما الملحمية الكلاسيكية – اللقطة الواسعة، الموسيقى الاستهلالية، البناء التصاعدي – بحرفية عالية. أقرب إلى ديفيد لين منه إلى مخرج تجريبي. بعض من يقيّمونه بمعايير السينما التجريبية سيصفونه بالتقليدية، وهم محقّون تقنيًا، ومخطئون في التقييم، لأن اختيار العقاد لم يكن قصور خيال بل قرارًا واعيًا: خاطب الجمهور بلغة يعرفها هذا الجمهور جيدًا، ولم يفرض عليه لغة جديدة عليه أن يتعلمها أولًا.

هذا لا يعني أنه كان محصنًا من الأخطاء. المباشرة الخطابية كانت مأزقه الحقيقي، تحديدًا في “أسد الصحراء”: حوارات تشرح الموقف السياسي بدل أن تُظهره، ومشاهد تُقفل بجملة مفتاحية تلخّص الفكرة عمدًا. هذا عيب حقيقي، لا أتحفظ في تسميته عيبًا. لكنه أيضًا العيب الذي جعل رسالته تصل إلى جمهور واسع لم يكن سيصل إليه فيلم أكثر تجريدًا. أحيانًا يكون العيب هو نفسه الثمن الذي تدفعه لبلوغ من لا يبلغه غيرك.

بعد “أسد الصحراء”، عاد لسنوات إلى الإنتاج التجاري – أهمها تكملات “هالوين” – بينما بقي يحمل في رأسه مشروعين لم يكتمل تمويلهما: فيلم عن الأندلس، وفيلم عن صلاح الدين الأيوبي. فكّر في شون كونري لتجسيد صلاح الدين، وقال عن الفيلم كلامًا معناه أنه أراد أن يظهر للعالم أن صلاح الدين يمثّل الإسلام الحقيقي، وأن اختزال الدين كله بأفعال متطرفين ظلم يشبه اختزال المسيحية بعنف الحملات الصليبية.

لماذا لم يتحقق المشروعان؟ لأن الظروف التي صنعت “الرسالة” و”أسد الصحراء” – أنظمة عربية مستعدة للمجازفة بأموال ضخمة على أفلام ملحمية – لم تعد متوفرة بالحجم نفسه في التسعينيات وما بعدها، ولأن صناعة سينما عربية خاصة قادرة على سد هذه الفجوة لم تنشأ يومًا. وربما – وهذا تخمين أكثر منه استنتاجًا مؤكدًا – لأن هوليوود نفسها، بعد أحداث 2001، فقدت شهيتها لتمويل قصص تتعاطف مع التاريخ الإسلامي بهذا الحجم. مات العقاد وهو يعرف تمامًا ما يريد أن يصنعه. كان لا يبحث عن فكرة بل عن مال لفكرة جاهزة في رأسه منذ سنوات. هذا نوع خاص من المرارة، أقسى من أن تموتي وأنت لا تعرفين ماذا كنت تريدين.

في 9 نوفمبر 2005، كان في بهو فندق “جراند حياة” بعمّان مع ابنته ريما، في انتظارها قادمة من سفر لحضور زفاف صديق، حين فجّر انتحاري نفسه في المكان، ضمن سلسلة تفجيرات ضربت ثلاثة فنادق في العاصمة الأردنية في تلك الليلة. ماتت ريما فورًا. ومات هو بعد يومين متأثرًا بجراحه. أُعيد جثمانه إلى حلب، المدينة التي بدأ منها كل شيء.

لن أكتب هنا جملة عن “قسوة القدر” أو “سخرية المصير”، فقد كُتبت هذه الجملة عنه عشرات المرات وصارت هي نفسها كليشيه يُفرغ الحادثة من ثقلها. أقول فقط: رجل قضى أربعين عامًا يحاول أن يفكك صورة نمطية عن دينه، انتهى على يد من يستخدمون هذا الدين اسمًا لفعل لا صلة له به. هذه ليست مفارقة أدبية أحتاج إلى تجميلها. هذه الحقيقة، عارية كما هي، بلا حاجة إلى بلاغة إضافية.

خسرنا برحيله نموذجًا نادرًا. ليس مخرجًا موهوبًا فقط، بل صانع صورة يمتلك في الوقت نفسه أدوات الصناعة الأمريكية وحساسية الانتماء العربي، وهذا مزيج لا يتكرر بسهولة: من يملك المهارة التقنية غالبًا لا يملك القضية، ومن يحمل القضية غالبًا يفتقر إلى حرفية الوصول إلى جمهور عالمي بلا استجداء.

الانتقادات التي وُجهت إليه لم تكن كلها عادلة، لكن بعضها كان دقيقًا ولا ينبغي إسكاته: التبسيط التاريخي حقيقي، والمباشرة الخطابية حقيقية، والاعتماد على تمويل سياسي مثقل بالشروط حقيقي أيضًا. من يريد أن يتذكر العقاد بإنصاف عليه أن يحمل هذه العيوب مع الإنجاز، لا أن يمحوها من الصورة لأن الرجل مات مقتولًا وهذا يجعل النقد يبدو، بطريقة ما، غير لائق أخلاقيًا. النقد ليس عدم إنصاف. عدم النقد هو الظلم الحقيقي، لأنه يحوّل الرجل إلى أيقونة بلا وجه حقيقي، وهذا آخر ما كان يريده رجل حوّل غياب الوجه إلى فن.

اليوم لا يوجد مشروع عربي واحد يطمح إلى ما طمح إليه: أن يخاطب جمهورًا عالميًا بمعايير إنتاج عالمية، عن قضية عربية خالصة، من دون وسيط غربي يعيد صياغتها بلغته. هذا الغياب هو المقياس الحقيقي لما تركه رحيله، أكثر من أي ذكرى سنوية أو تكريم متأخر.

لن أختم بخلاصة مرتّبة عن “رجل عظيم قدّم إنجازًا عظيمًا”، لأن هذا النوع من الخاتمات هو ما يقتل سيرة العقاد فعليًا، يحوّلها إلى شعار بلا نتوءات. السؤال الذي أحمله معي وأنا أطفئ الشاشة بعد كل مشاهدة لـ”الرسالة” هو: لو عُرض هذا الفيلم اليوم على جمهور شاب لا يعرف قصة تمويله المتنقلة بين الرباط وطرابلس، ولا يذكر ليلة عمّان، هل سيشعر بالثقل الروحي نفسه الذي شعرتُ به وأنا طفلة أمام تلفزيون جدّي، أم أن الفيلم صار وثيقة عن حلم عربي قديم أكثر من كونه تجربة حية؟ لا أعرف الجواب. وربما هذا بالضبط ما يجعلني أعود إليه كل مرة.

زر الذهاب إلى الأعلى