
في رحيل الأمير حمد بن خليفة آل ثاني.. وداعُ رجل الدولة وباني نهضة قطر الحديثة
أ.د. حسن عبدالله الدعجه
أستاذ الدراسات الاستراتيجية بجامعة الحسين بن طلال
بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، نتقدم بأصدق مشاعر التعزية والمواساة إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير دولة قطر، وإلى الأسرة الحاكمة الكريمة، وإلى الشعب القطري الشقيق، في وفاة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته.
برحيل الأمير الوالد، لا تفقد قطر قائدًا تاريخيًا فحسب، بل يودع الوطن العربي والإسلامي شخصية استثنائية أسهمت في صياغة مرحلة جديدة من تاريخ الدولة القطرية، وأرسى دعائم نهضتها الحديثة على المستويات السياسية والاقتصادية والتنموية والدبلوماسية. فقد اقترنت مسيرته برؤية استراتيجية بعيدة المدى، استطاعت أن تنقل قطر إلى مصاف الدول المؤثرة إقليميًا ودوليًا، وأن تجعل منها نموذجًا في الاستثمار في الإنسان والتعليم والاقتصاد والمعرفة والبنية التحتية.
لقد آمن الأمير الوالد بأن قوة الدول لا تُقاس بحجمها الجغرافي، بل بقدرتها على بناء الإنسان، وتعزيز المؤسسات، وصناعة الحضور السياسي المؤثر. ومن هذا المنطلق شهدت قطر خلال عهده طفرة تنموية شاملة، أصبحت معها الدوحة مركزًا للحوار الدولي، ومنصةً للدبلوماسية الهادئة، ووجهةً لاستضافة المؤتمرات والفعاليات العالمية، حتى غدت الدولة لاعبًا رئيسيًا في العديد من الملفات الإقليمية والدولية.
ولم يقتصر إرث الأمير الوالد على التنمية الداخلية، بل امتد إلى تبني سياسة خارجية متوازنة جعلت من قطر وسيطًا موثوقًا في العديد من النزاعات والأزمات الدولية. فقد أسهمت الدبلوماسية القطرية في تقريب وجهات النظر بين أطراف متنازعة، ودعمت جهود السلام والحوار، ورسخت مكانة قطر باعتبارها دولة تؤمن بأن التفاوض والتفاهم هما الطريق الأمثل لمعالجة الأزمات، وهو ما أكسبها احترامًا واسعًا في المحافل الدولية.
كما عُرف الأمير الوالد بمواقفه الإنسانية ودعمه للشعوب المحتاجة، وإسهاماته في مجالات التنمية والإغاثة والتعليم والصحة، لتصبح قطر في عهده حاضرة في مختلف ميادين العمل الإنساني والخيري، بما يعكس قيمها العربية والإسلامية الأصيلة.
وإذا كان الأمير الوالد قد وضع الأسس الراسخة لهذه النهضة، فإن دولة قطر واصلت مسيرتها بثبات في ظل قيادة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، الذي أثبت أنه خير خلف لخير سلف، محافظًا على النهج ذاته في تعزيز مكانة قطر الدولية، ومواصلة مسيرة التنمية الشاملة، وترسيخ استقلال القرار الوطني، وتعزيز الحضور العربي والإسلامي والدولي للدولة. وقد نجحت القيادة القطرية في استكمال المشروع الوطني بكل ثقة واقتدار، مستندة إلى الإرث الذي بناه الأمير الوالد، ومضيفة إليه رؤى جديدة تتناسب مع تحديات المرحلة ومتغيرات النظام الدولي.
إن الأمم تُخلّد قادتها بما يتركونه من أثر، والأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني سيبقى حاضرًا في ذاكرة قطر والأمة العربية بما أنجزه من تحولات تاريخية، وما أسسه من مؤسسات، وما زرعه من رؤية جعلت من قطر دولة ذات حضور عالمي يفوق حدود الجغرافيا والإمكانات التقليدية. نسأل الله العلي القدير أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، والأسرة الحاكمة، والشعب القطري الشقيق جميل الصبر والسلوان، وأن يحفظ دولة قطر، ويديم عليها نعمة الأمن والاستقرار والازدهار، ويواصل مسيرتها نحو المزيد من التقدم والرفعة







