صحة وجمال

“الهوس الصحي”.. لماذا يخاف الناس من الطعام أكثر من المرض؟

الشاهين الاخباري
سجلت الأوساط الطبية مؤخراً انتشاراً لافتاً لظاهرة “هوس الأكل الصحي” أو ما يُعرف باضطراب “أورثوريكسيا نيرفوزا”، وهو المصطلح الذي صاغه الطبيب الأمريكي ستيفن براتمان عام 1997 للإشارة إلى الانشغال المرضي بنقاء وجودة الغذاء والالتزام الصارم بالأصناف العضوية.

ورغم أن هذا الاضطراب لم يُصنف بعد بشكل رسمي ضمن المعايير النفسية المعتمدة نتيجة لصعوبة التمييز بين الاهتمام الطبيعي بالصحة والسلوك المرضي، إلا أن المؤشرات تؤكد انحراف البوصلة لدى الكثيرين من السعي وراء العافية إلى الهوس بالنحافة والوصول إلى معايير جسدية افتراضية، مما يتسبب في عواقب وخيمة تشمل سوء التغذية التدريجي والقلق والاكتئاب وتراجع الأداء الاجتماعي والمهني.

وتختلف تقديرات انتشار هذا الاضطراب بشكل واسع تبعاً للدول وأدوات القياس، حيث أظهرت أبحاث الباحثين نيدزيلسكي وكاشميركزاك عام 2021 أن النسبة تتراوح بين 6.9% و75.2% بين عموم السكان، بينما قد تقفز إلى 90.6% بين فئات معينة.

كما كشف تحليل تلوي شامل ضم أكثر من 30 ألف مشارك من 18 دولة، من بينها الأردن ولبنان، أن معاناة الرجال والنساء من هذا الاضطراب بلغت 30%، في حين تتراوح نسبة المعرضين للإصابة باضطرابات الأكل عموماً في العالم العربي بين 23.8% و34.8% وفقاً لمراجعة منهجية نُشرت عام 2024.

وتعزو الدراسات انتشار هذه الظاهرة إلى عدة عوامل رئيسية، في مقدمتها الدور المحوري لوسائل التواصل الاجتماعي التي بلغت نسبة انتشارها عالمياً 59%، حيث تسوق منصات مثل فيسبوك وإنستغرام وتيك توك لتحديات غذائية صارمة وصور ذهنية مثالية عن الرشاقة، مما يعدم الرضا لدى المتابعين ويدفعهم للمقارنة المرضية.

وفي هذا السياق، أكدت مراجعة برتغالية عام 2025 شملت 17 دراسة أن الإفراط في استخدام إنستغرام يعزز أعراض هوس الأكل الصحي، بالتوازي مع دراسة إسبانية عام 2023 أُجريت على 653 شاباً ربطت بين إدمان المنصة ذاتها وزيادة اضطرابات الأكل لدى المراهقين، بالإضافة إلى مراجعة ألمانية إسبانية عام 2025 بينت أن ملاحقة منشورات بناء الأجسام ترتبط بظهور أعراض هوس الغذاء واضطراب تشوه العضلات الذي يمثل رغبة عارمة في الحصول على عضلات مرسومة بناءً على معايير رقمية زنيفة.

ويرتبط هذا السلوك قسرياً بضعف تقييم الذات بناءً على المظهر الخارجي، وهو ما أكدته دراسة أسترالية شملت 558 امرأة على مدار ثلاثة أشهر، في حين أثبتت دراسة أخرى عام 2024 شملت 1253 امرأة أن الرضا عن شكل الجسم يمثل عاملاً وقائياً يقلل بوضوح من فرص الإصابة بهذا الهوس.

ومن المفارقات الغريبة التي وثقتها الأبحاث وجود علاقة عكسية بين المعرفة الغذائية والاضطراب، حيث يرتفع خطر الإصابة بالهوس بين الفئات الأكثر وعياً وثقافة صحية.

وأظهرت دراسة تركيّة عام 2022 نشرت في مجلة “لونسيفال” وشملت 1429 شخصاً من طلاب وخريجي التغذية أن نسبة إصابتهم بالمرض بلغت 59.8%، وكانت النسبة أعلى لدى الطلاب بواقع 63.8% مقارنة بالاختصاصيين الممارسين الذين سجلوا 52.9%.

كما بلغت النسبة 43.6% بين طلاب الطب في جامعة أتاتورك، ووصلت إلى 76.2% بين طلاب الطب في جامعة إينونو عام 2017، ويعود ذلك إلى الضغوط النفسية والاجتماعية التي تفرض على الأطباء والممرضين وخبراء التغذية الظهور بجسد ممشوق وصورة صحية مثالية.

وتتداخل هذه المعرفة مع السمات الشخصية مثل التشدد الفكري وعدم تقبل الرأي الآخر لتشكل سلوكاً تغذوياً غير صحي، رغم أن هذا التأثير قد يتراجع تدريجياً مع التقدم المهني وتطور آليات التفكير النقدي.

زر الذهاب إلى الأعلى