أقلام حرة

حين تتحول الكتابة الى مرفأ للروح وبوصلة للمعنى

سهى فران

في فضاء الكتابة لا تبدو التجربة مجرد نصوص تكتب بل اقتراب من بحر واسع تمضي فيه كل تجربة بسفينتها الخاصة مسترشدة ببوصلة لا تشير الى الجهات بقدر ما تنصت لما يتركه المعنى في الداخل ومن هذا الافق نرافق الكاتبة سهى فران في رحلتها مع الكتابة حيث تتشكل اللغة بين ما تمنحه الروح للحروف وما يبوح به القلب وما تحتفظ به الذاكرة في صمتها وهناك بعيد عن القوالب المألوفة تترك التجربة اثرها الخاص وتمضي الكلمة على مهل مثل سفينة تألف البحر ولا تستعجل المرافئ

وفي هذا الحوار الذي تجريه الاستاذة ايمان المغربي نقترب من ملامح التجربة الانسانية الكامنة خلف النص حيث يصبح الاصغاء جزء من القراءة ويغدو المعنى شاطئ يكتشفه كل قارئ بطريقته الخاصة

حوار ايمان المغربي

١-إذا طُلب منكِ تعريف نفسكِ ككاتبة من خلال تجربتك داخل النص لا من خلال سيرتك كيف تصفين نفسك؟

أنا سهى فران، كاتبة تخطو أولى خطواتها في عالم الكتابة، وأجد في قلمي مرآةً لأفكاري ومشاعري ومشاهداتي لما يدور في المجتمع من أحداث ومواقف، حتى تلك التفاصيل الصغيرة التي قد تمر على الآخرين دون انتباه. فأنا قبل أن أكون كاتبة، إنسانة تشعر وتتأثر وتتأمل، ثم تحوّل ما يختلج في داخلها من أفكارٍ وأحاسيس إلى كلماتٍ تحمل صوتها ورؤيتها.

٢- متى بدأت علاقتك الحقيقية بالكتابة؟

بدأت علاقتي الأولى بالكتابة في طفولتي، لكنها انقطعت لسنوات. أما علاقتي الحقيقية والعميقة بها فبدأت بعد وفاة والدتي رحمها الله، حين وجدت في الكتابة مساحة أرثي فيها غيابها وأعبر عن مشاعري، ثم اتسعت بعد ذلك لتشمل موضوعات وتجارب متعددة.

٣- ما الذي يتغير فيكِ أثناء الكتابة؟

كانت الكتابة في بدايتها وسيلتي للعلاج، وما زالت تؤدي هذا الدور حتى اليوم. فهي تساعدني على فهم مشاعري وأفكاري فهمًا أعمق وأدق، وتمنحني مساحة للتأمل ومراجعة الذات، كما تتيح لي فرصة لترتيب ما يختلج في داخلي من أفكار ومشاعر بصورة أكثر وضوحًا واتزانًا.

٤- هل تكتبين ما تفهمينه أم ما يتشكل أثناء الفهم؟

أكتب ما أفهمه وأشعر به بوضوح، فتأتي الكلمات لترجمة أفكاري ومشاعري بالصورة التي أريدها. وفي أحيانٍ أخرى أكتب ما أراه وأعيشه لأتأمله وأحلله، سعيًا إلى الوصول إلى فهمٍ أعمق للأحداث والمواقف، وإدراكٍ أوسع لما يدور حولي وفي داخلي

٥- ما الذي يبقى منكِ خارج النص رغم الكتابة؟

هناك مشاعر وذكريات لا تصلح للنشر، لا لأنها تفتقر إلى الكلمات، بل لأنها شديدة الخصوصية، تنتمي إلى أعماق الروح أكثر مما تنتمي إلى صفحات الورق. كما أن بعض المشاعر يكون الصمت فيها أبلغ من أي تعبير، وأصدق من أي كلمات؛ فليس كل ما يُشعَر به يُقال، وليس كل ما يُقال قادرًا على احتواء ما نشعر به.

٦- هل النص يقترب من الحقيقة أم من إحساسك بها؟

يقترب النص مما أشعر به ومن الكيفية التي أرى بها المشهد أمامي، فهو يعكس رؤيتي وانطباعي عنه. ومع ذلك، فهناك نصوص تحتاج إلى نقل الحقيقة أكثر من حاجتها إلى إبداء الرأي الشخصي، كالنصوص التي تتناول المعلومات العلمية وغيرها من الموضوعات المعرفية. فلكل نص طابعه الخاص وأسلوبه الذي تفرضه طبيعته وغايته.

٧- ما الذي لا تستطيع اللغة احتواءه في تجربتك؟

عمق بعض المشاعر المرتبطة بالفقد والحنين، فهناك أحاسيس نشعر بها بوضوح لكننا نعجز عن نقلها كاملة إلى اللغة.

٨- هل الكتابة توسعك أم تكشف نقص الفهم؟

الكتابة توسّع نظرتي إلى الحياة والناس، وتجعلني أكثر مرونةً في فهم الاختلافات والتعامل مع التجارب المتنوعة. ومع كل ما أتعلمه من خلال الكتابة، أؤمن أن أمامي الكثير مما يستحق الاكتشاف والتعلّم، وأن رحلتي معها ما زالت في بدايتها.

٩- متى يصبح النص مستقل عنكِ؟

حين يبدأ القارئ بقراءة كتاباتي وتأويلها وفق رؤيته الخاصة وزاويته المختلفة، قد يضفي على النص معاني جديدة لم تخطر ببالي أثناء الكتابة. فالنص، بمجرد أن يصل إلى القارئ، لا يعود حبيس رؤية كاتبه وحده، بل يصبح مساحة مفتوحة للتأمل والفهم، تتعدد فيها القراءات بتعدد القرّاء وتجاربهم.

١٠- ماذا لو التقيتِ بالكاتبة التي كنتِ عليها في بداياتكِ ماذا ستقولين لها؟

ما زلتُ أعدّ نفسي في بداية مشوار الكتابة، وأؤمن أن أمامي الكثير مما ينبغي أن أتعلمه وأكتسبه من خبرات ومعارف، ولذلك لن أتوقف عن التعلم والتطور ما دمت أسير في هذا الطريق. وفي الوقت ذاته، أشعر بفخرٍ كبير بما وصلت إليه حتى الآن، وبالمساحة التي أدوّن فيها مشاعري وأفكاري، وهي «مساحة بوح». تلك المساحة التي احتضنت كلماتي ومنحتها فرصة الظهور، ولعلها تصبح يومًا ما كتابًا يرى النور ويجد طريقه إلى القرّاء.

الخاتمة

في ختام هذا المسار لا تغلق الاسئلة ابوابها بقدر ما تترك خلفها اثرا يمتد الى ما وراء الاجابة وكأن كل معنى هنا ليس محطة وصول بل علامة اخرى في طريق يتشكل مع كل تجربة ومع كل شعور يجد طريقه الى اللغة

وتكشف اجابات الكاتبة سهى فران عن تجربة تنمو باتزان تعيد فيها تشكيل علاقتها بالكتابة بوصفها مساحة للفهم ونافذة ترى من خلالها الذات ملامحها كلما اتسعت الرؤية وكلما اقتربت من جوهرها الانساني

وفي هذا الامتداد بين البوح وما تختاره الذاكرة من صمت تبدو الكتابة لديها كبحر لا يعد بالوصول بل يمنح المسافر فسحة للتأمل وكأن النص ليس سوى اثر خفيف لسفينة مضت بينما ظل البحر محتفظاً باتجاهها تاركا الافق مفتوحاً لما لم يكتب بعد

زر الذهاب إلى الأعلى