أقلام حرة

الوحدات أكبر من الأشخاص… وأكبر من الحملات

سائد الشروف


في تاريخ الأندية الكبرى، لا تأتي الأزمات من نقص الجماهير، ولا من ضعف الانتماء، بل تأتي عندما تغيب الإدارة الرشيدة، وتُقدَّم المصالح الشخصية على مصلحة الكيان.
اليوم يقف نادي الوحدات أمام مرحلة مفصلية تتطلب من الجميع الصراحة قبل المجاملة، والحقيقة قبل الشعارات. فالنادي الذي يمتلك واحدة من أكبر القواعد الجماهيرية في الأردن والمنطقة، ويُعد أحد أهم رموز الرياضة الأردنية، لا يستحق أن يجد نفسه مثقلاً بالديون والشكاوى والقضايا التي تهدد استقراره ومستقبله.
ما وصل إليه النادي لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة تراكمات وقرارات إدارية ومالية امتدت لسنوات. وعندما تصبح الديون عبئاً على مستقبل النادي، وتتحول الشكاوى والقضايا إلى تهديد دائم، فإن من حق الجماهير أن تسأل: من أوصل النادي إلى هذه المرحلة؟ ومن يتحمل المسؤولية عما حدث؟
الأخطر من الأزمة المالية نفسها هو محاولة البعض الهروب من المسؤولية، أو إعادة تقديم أنفسهم كجزء من الحل بعد أن كانوا جزءاً من المشكلة. والأخطر أيضاً هو استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والحسابات المجهولة وحملات التأثير المنظمة لتوجيه الرأي العام وصناعة روايات بعيدة عن جوهر الأزمة الحقيقية.
جماهير الوحدات كانت دائماً أكثر وعياً من أن تنخدع بالشعارات أو الحملات الموجهة. هذه الجماهير تدرك أن مستقبل النادي لا يُبنى بالمنشورات ولا بالهجوم على المخالفين في الرأي، بل يُبنى بخطط واضحة، وإدارة محترفة، ورؤية مالية مستدامة.
نعم، الوحدات يحتاج إلى رجال أعمال وداعمين قادرين على المساهمة في إنقاذ النادي وتطويره، لكن النادي لا يحتاج إلى أسماء فقط. ما يحتاجه هو أشخاص يجمعون بين القدرة المالية والخبرة الإدارية والفهم الرياضي، ويعملون بعقلية مؤسسية تضع مصلحة النادي فوق أي اعتبار آخر.
فالتجارب أثبتت أن ضخ الأموال وحده لا يكفي إذا غابت الحوكمة والرقابة والتخطيط. كما أن تقديم بعض الأشخاص على أنهم رجال أعمال منقذون للنادي لا يمنحهم تلقائياً صفة القادرين على قيادة المرحلة المقبلة، خصوصاً إذا كان دورهم الفعلي لا يتجاوز حدود العضويات أو الظهور الإعلامي دون مساهمة حقيقية في معالجة الأزمات المتراكمة.
ومن هنا، فإن المعيار الحقيقي لأي مشروع قادم يجب أن يكون واضحاً أمام الجماهير: من يملك القدرة على معالجة الديون؟ من يملك خطة استثمارية للنادي؟ من يملك رؤية لتطوير الإيرادات؟ ومن يملك فريق عمل متخصصاً في الإدارة والمال والرياضة؟
أما إذا كان هناك بالفعل رجال أعمال قادرون على دعم النادي بمبالغ كبيرة تعيد له استقراره المالي، فإن الطريق واضح ولا يحتاج إلى حملات ضغط أو صراعات خلف الكواليس. الدعم الحقيقي يظهر بالأفعال والالتزامات الواضحة والشفافة، لا بالتسريبات والرسائل المجهولة.
إن الوحدات أكبر من الأشخاص، وأكبر من الانتخابات، وأكبر من المصالح الضيقة. والمرحلة الحالية تتطلب من الجميع الارتفاع إلى مستوى المسؤولية التاريخية تجاه هذا الكيان.
ويبقى الرهان الحقيقي على وعي جماهير الوحدات، لأنها كانت دائماً خط الدفاع الأول عن النادي، والقادرة على التمييز بين من يعمل لمصلحة الوحدات ومن يحاول استغلال اسمه وتاريخه لتحقيق أهداف أخرى.
فالكيان باقٍ، أما الأشخاص فزائلون. ومصلحة الوحدات ستبقى دائماً فوق كل المصالح.

زر الذهاب إلى الأعلى