
من الذاكرة العربية
صالح بن سعيد الحمداني ـ كاتب عماني
أثناء قراءتي وتصفحي في تاريخ السيرة العربية، لفتت انتباهي شخصية أردنية كتب عنها الأخ الدكتور فراس الديري، فتوقفت متأملًا في تاريخ هذه الشخصية وما تحمله من أثر ومعانٍ، وعندما يفتح التاريخ صفحاته للحديث عن الرجال العظماء، فإنه لا يقف طويلًا عند أولئك الذين مرّوا مرور العابرين، بل يخلّد أصحاب الأثر الذين صنعت مواقفهم ذاكرة الأوطان، ورسخت أعمالهم معاني الوفاء والانتماء والمسؤولية، فالأيام قد تطوي الأجساد، لكن سيرة العظماء تبقى حيّة في وجدان الشعوب، تتناقلها الأجيال بكل فخر واعتزاز، لأن الرجال الحقيقيين لا يُقاس حضورهم بطول أعمارهم، وإنما بما يتركونه من بصمات خالدة في مسيرة الوطن والأمة.
ومن بين الشخصيات الأردنية الوطنية التي حفرت اسمها في ذاكرة الدولة الأردنية بكل احترام، يبرز اسم علي باشا الكايد العتوم، ذلك الرجل الذي مثّل نموذجًا فريدًا لرجل الدولة الحكيم، والمؤمن برسالة الوطن، والحريص على هيبة الدولة واستقرارها، لقد كان واحدًا من رجالات الأردن الذين جمعوا بين الحزم والحكمة، وبين قوة الشخصية والتواضع، فاستحق أن يكون من الأسماء التي تُذكر بكل تقدير في تاريخ الأردن الحديث، ولد علي باشا الكايد العتوم في بلدة سوف بمحافظة جرش، تلك البلدة الأردنية العريقة التي أنجبت رجالًا حملوا قيم الأصالة والشهامة والكرامة، وفي تلك البيئة الوطنية الأصيلة تشكّلت شخصيته، فكبر وهو يحمل في وجدانه حب الأردن والانتماء لترابه الطهور، مؤمنًا بأن خدمة الوطن شرف ومسؤولية ورسالة لا بد أن تؤدى بإخلاص وتجرد.
ومنذ بدايات حياته العملية، عُرف علي باشا بتميزه وانضباطه وإخلاصه في العمل، فكان رجلًا يؤمن بأن الدولة لا تُبنى بالشعارات، وإنما بالعمل الجاد، والالتزام، واحترام القانون والمؤسسات، ولذلك استطاع أن يثبت حضوره في مختلف المواقع التي تقلدها، حيث امتلك عقلية قيادية متزنة، تقوم على الحكمة والقدرة على اتخاذ القرار في أصعب الظروف، بعيدًا عن المصالح الشخصية أو البحث عن الأضواء، وقد شغل علي باشا الكايد العتوم العديد من المواقع الأمنية والإدارية الرفيعة في الدولة الأردنية، وكان من أبرز الشخصيات التي لعبت دورًا مهمًا في تعزيز منظومة الأمن والاستقرار في الأردن، فقد عُرف بحرصه الشديد على أمن الوطن وسلامة المواطنين، وإيمانه العميق بأن قوة الدولة تكمن في سيادة القانون، وترسيخ العدالة، والحفاظ على هيبة المؤسسات.
كما تميز بأسلوبه الهادئ والمتزن في إدارة الملفات الوطنية، فكان رجل حوار وحكمة، يؤمن بأن المسؤولية الوطنية تتطلب عقلًا راجحًا ونظرة بعيدة المدى، ولذلك بقي محل احترام مختلف الأوساط السياسية والاجتماعية والشعبية، ولم يكن قريبًا من الناس كشخصية رسمية فحسب، وإنما كان قريبًا منهم إنسانيًا، يستمع لهمومهم، ويتعامل مع قضاياهم بروح المسؤولية والاحترام، ولقد شكّل علي باشا نموذجًا للمسؤول الأردني الذي ظل وفيًا للقيادة الهاشمية الحكيمة، مؤمنًا برسالة الدولة الأردنية القائمة على الاعتدال والتسامح وحفظ كرامة الإنسان، وكان من الشخصيات التي دافعت بإخلاص عن ثوابت الأردن الوطنية، وسعت إلى تعزيز وحدة المجتمع الأردني وتماسكه في مختلف الظروف والتحديات.
وعندما يُذكر رجال الدولة الحقيقيون، فإن ما يميزهم ليس فقط المناصب التي تقلدوها وإنما قدرتهم على ترك أثر أخلاقي ووطني في نفوس الناس، وهذا ما تحقق في سيرة علي باشا الكايد العتوم، فقد عُرف بالنزاهة والصدق والوفاء، وكان مثالًا للمسؤول الذي يعمل بصمت بعيدًا عن الضجيج الإعلامي، لكنه يترك خلفه إنجازات ومواقف تشهد له بالوطنية والإخلاص، لقد أدرك علي باشا أن الدولة الأردنية قامت على أسس راسخة من الحكمة والاعتدال، ولذلك ظل مؤمنًا بأن الحفاظ على استقرار الأردن ووحدته الوطنية مسؤولية جماعية تتطلب من الجميع الالتفاف حول الوطن وقيادته الهاشمية الحكيمة، ومن هنا كان دائم الحرص على ترسيخ قيم الانتماء والولاء، وتعزيز ثقة المواطن بمؤسسات الدولة، والعمل على حماية صورة الأردن وهيبته في الداخل والخارج.
كما امتلك شخصية قيادية تجمع بين الحزم الإنساني والرؤية الوطنية، وهي صفات جعلته يحظى باحترام الأردنيين ومحبتهم، فقد كان يؤمن بأن رجل الدولة الحقيقي هو الذي يترك خلفه إرثًا من القيم والمبادئ، لا مجرد مناصب أو ألقاب، ولذلك بقي اسمه حاضرًا في ذاكرة الوطن باعتباره أحد الرجال الذين خدموا الأردن بإخلاص وشرف، واليوم ونحن نستذكر هذه القامة الوطنية الأردنية الكبيرة، فإننا مرحلة من مراحل العمل الوطني الصادق، ونستعيد سيرة رجل آمن بوطنه وقيادته وشعبه، وعمل بكل ما أوتي من قوة للحفاظ على أمن الأردن واستقراره وهيبة دولته.
إن الحديث عن علي باشا الكايد العتوم هو حديث عن الوفاء للأردن، وعن رجل من بين رجالٍ أدركوا أن الأوطان لا تُحمى إلا بالإخلاص والعمل والتضحية، فكانوا أوفياء لقسمهم ومسؤولياتهم، وتركوا للأجيال القادمة دروسًا في الوطنية الصادقة والانتماء الحقيقي، رحم الله علي باشا الكايد العتوم، ورحم رجالات الأردن الأوفياء الذين خدموا وطنهم بإخلاص وتجرد، وحفظ الله الأردن ملكًا وشعبًا، وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار في ظل القيادة الهاشمية الحكيمة بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم حفظه الله ورعاه.







