
السينما والمسرح في زمن الحرب: بين التشويش على الموسم والصمود الإنساني
قراءة نقدية لتأثير التصعيد الإيراني-الأمريكي-الإسرائيلي على الفن الشرق أوسطي
الشاهين الإخباري – دعاء مأمون
في الثامن والعشرين من فبراير 2026، وبينما كانت فرق مسرحية في بيروت والقاهرة وعمّان تُحكم البروفات الأخيرة استعداداً لموسم عيد الفطر، كانت السماء تُعيد رسم خرائطها بلغة مختلفة تماماً. اندلعت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لتضع صناعة الفن والسينما في المنطقة أمام اختبار هو الأكثر قسوة منذ سنوات. أغلقت البحرين والعراق وإسرائيل والكويت وقطر وسوريا والإمارات مجالاتها الجوية إثر الهجمات، وفي غضون ساعات معدودة، وجد الفنانون والمنتجون والمهرجانات أنفسهم أمام فراغ لوجستي وأمني لا يُحسب.
من بين نحو 36 ألف رحلة كانت مقررة من وإلى المنطقة منذ اندلاع الحرب، جرى إلغاء أكثر من نصفها، ما يعادل فقدان نحو 4.4 مليون مقعد للمسافرين وفق بيانات إحدى شركة تحليلاتالطيران.
هذه ليست مجرد أرقام سياحية؛ هي أيضاً طواقم تصوير عالقة، ومعدات لم تصل، وفنانون لم يتمكنوا من العبور. الأزمة الراهنة لا تتمثل في خسارة رقمية معلنة فحسب، بل في اضطراب بيئة التشغيل التي تمنح السينما استمرارها، بدءاً من ثقة المستهلك في الأمان، وصولاً إلى حركة الطيران والسياحة التي تمثل جزءاً من الشريان الخفي لتدفق الجمهور إلى صالات العرض.
وأنا أتابع هذه التطورات المتسارعة، يُلحّ عليّ سؤال بعيداً عن أي تأطير أكاديمي مسبق: هل يتحوّل الفن في زمن الحرب إلى رفاهية مستحيلة، يلقي بها الإنسان خلف ظهره حين تضيق به الأرض؟ أم أنه يتحوّل، على العكس تماماً، إلى ضرورة وجودية وأداة صمود إنساني وتوثيق للذاكرة الجماعية في مواجهة تلك القوى الهائلة التي تسعى إلى محو كل شيء؟ الإجابة، كما يُعلّمنا تاريخ الفن في أشد لحظاته اشتباكاً مع العنف، لا تقع في أحد طرفَي هذا السؤال، بل في التوتر الخلاق بينهما.
يعمل الإنتاج السينمائي والمسرحي وفق منطق هشّ في جوهره: هو تجميع لموارد مادية وبشرية ولوجستية في لحظة زمنية واحدة، وأي اختلال في هذا التجميع يعني، في أحسن الأحوال، تأجيلاً مُكلفاً، وفي أسوأها، موتاً هادئاً للمشروع. والتصعيد الذي شهدناه لم يكتفِ بالمسّ بعنصر واحد من عناصر هذه المعادلة، بل ضرب معظمها في آنٍ واحد.
الضربة الأولى كانت في الأجواء. أُعيد توجيه عدد من الطائرات المدنية إلى وجهات بديلة، وعلّقت شركات طيران دولية كبرى رحلاتها إلى المنطقة لفترات متفاوتة، من بينها الخطوط الجوية البريطانية وكاثي باسيفيك ولوفتهانزا وفيرجن أتلانتيك، فيما واصلت شركتا طيران الإمارات والاتحاد للطيران تشغيل جداول رحلات محدودة جداً. هذا الانقطاع أوجد شللاً في حركة الأفراد والمعدات على حدٍّ سواء — معدات تصوير كانت في طريقها جواً تعرضت لتأخيرات طويلة، وطواقم دولية لم تتمكن من الوصول إلى مواقع التصوير في الأردن أو لبنان أو الإمارات.
الضربة الثانية طالت المهرجانات مباشرةً. أعلن مهرجان أفلام السعودية، الذي تنظمه جمعية السينما بالشراكة مع مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي (إثراء) وبدعم من هيئة الأفلام، عن تأجيل دورته الثانية عشرة من أبريل إلى الفترة الممتدة بين الخامس والعشرين من يونيو وحتى الأول من يوليو 2026. وأعتقد شخصياً أن تكلفة هذا التأجيل على المدى المتوسط ستكون أشد وطأة مما يبدو للوهلة الأولى، إذ إن بناء صناعة سينمائية يحتاج إلى تراكم سردي وثقة مؤسسية لا تُبنى في موسم ولا تُستعاد بعد فراغ موسمين.
في لبنان، حيث الجرح لم يندمل أصلاً، أعلنت لجنة مهرجانات الأرز إلغاء فعالياتها كاملةً وتعليق بيع البطاقات الخاصة بالموسم المقبل، في حين لم تُحسم بعد مصير مهرجانَي بيروت وبعلبك وسط ترقب مضني لتطورات الأوضاع الإقليمية. وأعرف من حوارات متعددة مع مخرجين لبنانيين شباب أن الإبداع في بلدهم كان قبل هذه الأزمة فعل مراهنة يومية على المجهول — فكيف الحال حين يصبح المجهول حرباً إقليمية مفتوحة؟
في مصر والخليج، يدرس كبار المنتجين والموزعين ترحيل أفلام موسم عيد الفطر إلى مواسم لاحقة خشية العزوف الطوعي للجمهور عن الأماكن المزدحمة، وتجنباً لاحتراق الأفلام بافتتاحيات كارثية لا تعكس حجم الإنفاق. وتضم القائمة المهددة أعمالاً ضخمة كانت تُعوَّل عليها لقيادة موسم استثنائي، من بينها فيلم «الكلاب السبعة» الذي يجمع بين كريم عبد العزيز وأحمد عز، وفيلم «فرقة الموت» من بطولة أحمد عز وآسر ياسين، وفيلم «برشامة» الكوميدي من بطولة هشام ماجد. أما على صعيد الإصدارات الدولية، فقد أعلن منتجو فيلم الأكشن الهندي الضخم:
«Toxic: A Fairy Tale for Grown-Ups» للنجم «ياش» تأجيل طرحه من مارس إلى يونيو 2026، مبررين القرار بالتوترات المتصاعدة في المنطقة وتأثيرها المباشر على الانطلاقة العالمية.
في مقابل هذا الركود الذي يهدد صالات السينما، تجد منصات البث الرقمي في المنطقة نفسها أمام فرصة لملء الفراغ الترفيهي، مع تسجيل زيادة مطردة في معدلات الاشتراك منذ بداية الأزمة. هذا التحول يعيد للأذهان نموذج جائحة كورونا، غير أنه يحمل فارقاً جوهرياً: الجائحة كانت عالمية متكافئة في أعبائها، أما هذا الاضطراب فهو إقليمي، مما يعني أن الإنتاجات الغربية المنافسة تجد طريقها إلى المنصات بلا عوائق، بينما يتعثر الإنتاج المحلي وهو في بيته.
حين تُغلق شركات الإنتاج ملفاتها المجمّدة، وحين يجلس الفنان يسمع أخبار القصف والنزوح، تبدأ مرحلة أخرى من الفعل الفني — مرحلة أكثر خفاءً وأعمق أثراً: مرحلة الاستيعاب والتحويل. فالفن لا يموت في الحرب؛ هو يتحوّل.
نعرف من تاريخ السينما العربية أن الحروب الكبرى لا تُسكت المخرجين، بل تمنحهم مادة موجعة لا يمكن اختراعها. بعد حرب تموز 2006، أنتجت السينما اللبنانية أعمالاً صارت مرجعاً في الذاكرة الجمعية لجيل بأكمله. لم تُعد هذه الأعمال سرد القصف والدمار كما تفعل نشرات الأخبار، بل استطاعت أن تحفر في الشعير النفسي للعلاقات، في صمت المدينة وخوف أهلها وطريقة ضحكهم وهم يحاولون إقناع أنفسهم بالاستمرار. هذا هو الفارق الجوهري بين الصحافة والفن: الصحافة ترصد الحدث، والفن يسكن في الجروح التي يتركها.
في المسرح، تبدو الإجابة أكثر صراحة. كان برتولت بريخت يرى أن المسرح لا يجب أن يكتفي بنقل العالم، بل بتحريض الجمهور على التفكير فيه. مسرحه الملحمي بتقنياته في التغريب — كسر الوهم الدرامي، وإقحام الراوي والتعليق السياسي في صميم الحدث المسرحي — هو بالضبط الأداة التي تصلح لزمن الحرب، لأن الحرب نفسها تُخدّر الوعي وتطلب منك ألا تفكر بل تنصاع. والمسرح الذي يُعلّمك أن تفكر هو فعل مقاومة، حتى حين لا يُصرّح بذلك. وأنا أميل شخصياً إلى أن بريخت لم يكن مجرد نظرية مسرحية، بل كان استشرافاً لما تفعله الأنظمة حين تشنّ الحروب: تطلب منك أن تشعر لا أن تفهم.
لكن ثمة خطر موازٍ لا يمكن لناقد أمين أن يتجاهله: خطر الاستغلال الفني للمعاناة. حين تتحول قصص النزوح والخسارة إلى بضاعة تُسوَّق في مهرجانات دولية يتشوّف فيها المتفرج الغربي إلى بؤس الشرق وألمه، يصبح الفن — رغم نواياه الحسنة ربما — امتداداً لسلطة تحويل الإنسان الشرق أوسطي إلى موضوع للتأمل بدلاً من كونه ذاتاً فاعلة. المخرج الغزاوي رشيد مشهراوي قاوم هذا المنطق طوال مسيرته: أفلامه عن الحصار والحواجز لم تكن شكوى مُخرجة بعناية، بل رصداً داخلياً يتكلم من الداخل. هذا الفارق الأخلاقي بين التوثيق من الداخل والعرض للآخر هو ما ينبغي أن يعيد الفنانون العرب اليوم التفكير فيه.
أما الكاثارسيس الأرسطي — ذلك التطهّر الجمالي والانفعالي الذي يخرج به المتفرج من التجربة المسرحية وهو أخفّ وطأة مما دخل بها — فيكتسب في زمن الحرب معنى إضافياً وأكثر إلحاحاً: المجتمعات التي تتراكم فيها الصدمة تحتاج إلى مكان آمن تشعر فيه بحجم الألم الذي تحمله، دون أن تُسحق تحته. المسرح، حين يفعل ذلك بإتقان، ليس ترفيهاً — هو علاج جماعي لا تتوفر له عيادة أخرى. وهو ما يجعل إغلاق المسارح في أوقات الأزمات قراراً يبدو براغماتياً لكنه في العمق يُفقر المجتمع بصمت.
ثمة لحظة محرجة يعيشها كل ناقد في زمن الأزمات الكبرى: لحظة يسأل فيها نفسه — هل الحديث عن الدراماتورجيا وتقنيات المونتاج وإيقاع القطع هو ترفٌ لا يليق بوجع يصرخ خارج النافذة؟ لن أتظاهر بأن هذا السؤال لا يزورني؛ زارني أكثر من مرة خلال الأسابيع الأخيرة. لكنني في كل مرة عدت إلى قناعة أصلية: النقد الفني الرصين ليس بديلاً عن الاشتباك الإنساني، لكنه ليس منفصلاً عنه أيضاً.
جان-لوك غودار، الذي تجاوز حدود السينما إلى نقد السينما ذاتها بوصفها أيديولوجيا مشفّرة في الصورة، كان يقول بأن كل قطع في المونتاج هو موقف سياسي. حين تختار كيف تُركّب الزمن، وماذا تُظهر وماذا تحجب، ومن تمنح صوته ومن تُسكته — فأنت تختار جانباً، سواء أردت ذلك أم لا. مسؤولية الناقد في زمن الحرب مضاعفة، إذن: مسؤولية جمالية تتعلق بكيفية توظيف الشكل في خدمة المضمون أو خيانته، ومسؤولية أخلاقية تتعلق بالتمييز بين العمل الذي يُفتح وذلك الذي يُشيح. أن تمدح فيلماً لمجرد أنه يتناول الحرب، دون أن يكون قد أضاف شيئاً حقيقياً إلى فهمنا أو شعورنا، هو نوع من الرشوة العاطفية للجمهور. وأن تُدين عملاً لأنه لا يتبنّى موقفاً سياسياً بعينه، هو نوع من الاستبداد النقدي.
ما أسميه «اليقظة المزدوجة» هو ما يستدعيه هذا الزمن: يقظة أمام الأعمال التي تُنتج عن الحرب — أيّها حقيقي وأيّها مؤدى — ويقظة أمام النفس بأحكامها المسبقة وعواطفها المُحرَّكة. أذكر أنني كتبت مرة مراجعة متحمسة لفيلم لبناني عن حرب يوليو، قبل أن أُعيد قراءة ما كتبته وأدرك أنني كنت أبكي على الحرب لا أنقد الفيلم.
التاريخ يُعلّمنا أن الحروب الكبرى تترك خلفها طاقة تعبيرية ضخمة محتقنة. موجة السينما الإيطالية الجديدة بعد الحرب العالمية الثانية، والسينما الإيرانية ما بعد الحرب العراقية-الإيرانية، والأفلام اللبنانية التي تلت الحرب الأهلية ثم حرب تموز — كل هذه الموجات لم تنبثق رغم الحروب، بل نبثقت في حوار عنيد معها. وأرهن هنا برأيي الشخصي لا بنبوءة: إننا في أواخر العشرينيات أو مطلع الثلاثينيات سنشهد موجة من الأفلام والمسرحيات العربية التي ستحاول هضم هذه الحقبة المرّة. لكن الفارق عن موجات الماضي هو أن المشاهد المتعددة — السعودية المتطلعة إلى بناء صناعتها، واللبنانية الناجية رغم كل شيء، والمصرية الساعية إلى استعادة بريقها — ستحمل رواياتها المتباينة عن هذه اللحظة. بل أظن أن التناقض بينها سيكون الأكثر إثارة للاهتمام النقدي.
ما يبدو واعداً رغم كل شيء هو ذلك الجيل الشاب من صانعي الأفلام العرب الذي نشأ في عصر الكاميرا الرقمية والمنصات — جيل لا تحتاج أفلامه إلى أجواء مفتوحة أو معدات ثقيلة. هؤلاء يصنعون، في الغرف المُغلقة وعلى الأسطح الهادئة، أعمالاً تحمل نبض لحظتها. إغلاق المجال الجوي لا يُوقف كاميرا الهاتف. وأعتقد أن أهم أفلام هذه الحقبة لن تُولد في الاستوديوهات، بل في الأحياء وعلى حواجز الانتظار.
في اليوم الذي يتوقف فيه الإنسان عن الرواية، يتوقف فيه عن كونه إنساناً. ليست هذه مبالغة رومانسية — بل هي ما تُثبته أنثروبولوجيا الثقافة البشرية منذ أقدم الكهوف: الرسم على الجدران كان قبل الزراعة والمدن. الرواية سابقة للحضارة، لأنها هي التي تصنع الحضارة.
الفن ليس رفاهية في زمن الحرب. هو على وجه التحديد ما يجعل الحرب ذات معنى قابل للفهم، أو رفضه. هو الطريقة الوحيدة لاستعادة الوجه الإنساني من تحت ركام الأرقام والبيانات العسكرية. حين يُحوّل الفيلم الجيد لاجئاً مجهول الاسم إلى شخص له تاريخ وحلم وصوت، فإنه يُنجز ما لا تستطيع الأجهزة الإعلامية إنجازه: يُعيد إلى هذا الإنسان اسمه.
لذلك، وبعيداً عن كل تفاؤل رخيص أو تشاؤم يائس، أختم بما يشبه الدعوة الهادئة — دعوة موجّهة إلى الفنانين الذين تجمّدت مشاريعهم وتبددت اطمئناناتهم، وإلى النقاد الذين يتساءلون عن جدوى ما يكتبون، وإلى الجمهور الذي يخجل أحياناً من أنه ذهب إلى السينما بينما العالم يحترق: استمروا. لا أقول ذلك من موقع الواثق المطمئن، بل من موقع من يشكّ أحياناً ثم يعود، لأنه لا يجد بديلاً عن الكتابة والمشاهدة والتفكير إلا الصمت — والصمت، في هذا الزمن تحديداً، هو الخيار الأكثر تكلفة.
المسرح الذي يُقدَّم في مدينة مُحاصرة هو أكثر أهمية، لا أقل، من ذلك الذي يُقدَّم في عاصمة هانئة. والكلمة النقدية التي تُحدّد ما هو جيد وما هو زائف في هذا التراكم الهائل من الصور والروايات — هي كلمة ضرورية لا يجوز التخلي عنها.
الستارة لا تسقط إلا حين يغادر الجميع المسرح. وما دام ثمة من يبقى، فالعرض مستمر.







