منوعات

طائر وزنه 12 غراماً يقطع قارتين ومحيطاً في رحلة واحدة

الشاهين الاخباري
 في اكتشاف علمي يسلّط الضوء على قدرات غير مسبوقة في عالم الطيور، كشفت دراسات حديثة عن رحلة هجرة استثنائية يقوم بها طائر صغير يُعرف باسم بلاكبول ووربلر (Setophaga striata)، لا يتجاوز وزنه 12 غراما، لكنه ينجح في عبور نصف الكرة الغربي بالكامل سنويا في واحدة من أكثر الرحلات الجوية قسوة على الإطلاق.

وبحسب تقرير علمي نُشر هذا الشهر، فإن هذا الطائر المغرد، الذي لا يتعدى طوله 13 سنتيمترا، ينطلق من غابات الشمال في كندا وألاسكا مع نهاية الصيف وبداية الخريف، متجها أولا نحو الساحل الشرقي لأمريكا الشمالية، قبل أن يبدأ المرحلة الأخطر في رحلته والتي تتمثل في التحليق مباشرة فوق المحيط الأطلسي دون توقف.

وتشير البيانات إلى أن هذه الرحلة البحرية قد تستمر ما بين 60 إلى 72 ساعة متواصلة، يقطع خلالها الطائر مسافة تتراوح بين 2500 و3000 كيلومتر، دون أي توقف للراحة أو التغذية أو شرب الماء، وهو ما يجعلها واحدة من أطول الرحلات المستمرة المسجلة لدى الطيور المغردة.

ويصل الطائر في نهاية رحلته إلى مناطق في الكاريبي أو شمال أمريكا الجنوبية، قبل أن يتجه إلى موائله الشتوية في فنزويلا وكولومبيا والبرازيل، حيث يقضي عدة أشهر في الغابات الاستوائية والبيئات الرطبة، ويتغذى على الحشرات والثمار، وينضم غالبا إلى أسراب مختلطة من الطيور.

وتكشف الدراسات أن بلاكبول ووربلر يخضع قبل الهجرة لمرحلة فسيولوجية تُعرف بـ”فرط التغذية”، حيث يضاعف وزنه تقريبا من خلال تخزين الدهون، التي قد تشكل ما يصل إلى 50% من وزنه الكلي، لتعمل كوقود للطيران الطويل.

كما تشهد عضلات الطيران لديه زيادة في الكفاءة، بينما تنكمش بعض الأعضاء الداخلية لتقليل الوزن، في تكيف بيولوجي دقيق يضمن القدرة على التحمل.

وخلال الرحلة، يحافظ الطائر على طيران مستمر بسرعة تتراوح بين 40 و50 كيلومترا في الساعة، مع قدرة استثنائية على الاستمرار في الطيران لعدة أيام دون توقف، باستخدام احتياطات الطاقة المخزنة في جسمه.

وفي تطور علمي مهم، تمكّن باحثون من جامعة ماساتشوستس عام 2015 من إثبات المسار المباشر لعبور هذا الطائر للمحيط الأطلسي، باستخدام أجهزة تتبع متناهية الصغر لا يتجاوز وزنها 0.5 غرام، ما أنهى جدلا علميا استمر سنوات طويلة حول طبيعة هذا المسار.

كما أظهرت الأبحاث أن الطائر يعتمد على منظومة معقدة من وسائل الملاحة تشمل المجال المغناطيسي للأرض، والمواقع الشمسية والنجومية، إضافة إلى مؤشرات بيئية أخرى تساعده على تحديد الاتجاه بدقة عبر آلاف الكيلومترات من المياه المفتوحة.

وفي فصل الربيع، لا يعود الطائر عبر نفس المسار البحري، بل يسلك ما يُعرف بـ”الهجرة الحلقية”، حيث يتجه عبر اليابسة من أمريكا الجنوبية مرورا بأمريكا الوسطى والمكسيك والولايات المتحدة، مستفيدا من توفر الغذاء وتيارات الرياح المساعدة.

ورغم هذه القدرات المذهلة، يواجه هذا النوع من الطيور تراجعا حادا في أعداده يُقدّر بنحو 72% منذ سبعينات القرن الماضي، ما دفع الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة إلى تصنيفه ضمن فئة “الأنواع المعرّضة للخطر”، نتيجة فقدان الموائل الطبيعية، وتغير المناخ، والتوسع العمراني، إضافة إلى المخاطر التي يتعرض لها أثناء الهجرة مثل اصطدامه بالمباني وأبراج الاتصالات.

ويؤكد العلماء أن هجرة بلاكبول ووربلر تمثل أحد أكثر الأنظمة البيولوجية تعقيدا في الطبيعة، حيث تتداخل فيها قدرات التحمل الفسيولوجي مع أنظمة الملاحة الدقيقة والسلوك التطوري، في رحلة تمتد عبر قارتين ومحيط كامل، وتجسد واحدة من أعجب الظواهر الطبيعية على كوكب الأرض.

البيان

زر الذهاب إلى الأعلى