
الصَّلاخي … العدو الخفي
د. نعيم الملكاوي / كاتب وباحث سياسي
في زوايا المشهد السياسي العربي، يطلُّ علينا بين الحين والآخر طيفٌ رماديٌّ بلا ملامح ثابتة، يتنقّل بين المواقع والأدوار كمن لا أرض له ولا جذر، لا يربطه بالثوابت شيء، ولا يوقفه عن الانزلاق وازع. يُعرف هذا الطيف بين الناس، وإن اختلفت أسماؤه، بلقبٍ موحٍ في دلالته يكمن “الصَّلاخي” في أحد أركانه .
ليس “الصَّلاخي” مجرد نعتٍ لهجيٍّ غابر، بل هو صورة رمزية حيّة لكائن سياسيّ مُراوغ، مفرَّغ من المبدأ، مخلوع الجذر، سريع التقلب والانسلاخ من أي التزام. لا يُستفاد منه في بناء، ولا يُعوّل عليه في شدة، فهو أول من يغادر الميدان، وآخر من يجرؤ على قول الحق، لأنه ببساطة: ابن الفراغ، وحفيد الانتهاز.
هو ليس فاسداً فحسب، بل فسادٌ يتجوّل على قدمين ويأكل الطعام ويتغوط في الحمام .
صاحب المكر، ورفيق الدهاء البارد، يتلوّن كالحرباء في خطابات الولاء، ويتقن فنّ الظهور عند الغنائم والغياب عند النكبات.
يتصدّر المشهد حين تعلو الزغاريد، ويتوارى حين يشتد أزيز الرصاص، وكأن قدره أن يعيش في هوامش الرجولة، وعلى أطراف المبادئ.
“الصَّلاخي” يُنصّب نفسه خبيراً، لكنه لم يُجرّب إلا الفشل، ويقدّم نفسه كوطني، لكنّه لا يحمل من الوطن إلا اسمه، ولا من القيم إلا شعاراتٍ يُتقن نطقها وقت الحاجة.
هو “المسلوخ” عن هويته، و”المُصلوخ” عن جذوره، يقدّم الولاء لمن يدفع، وينقلب على من ينهض.
يعيش هذا النمط من الشخصيات على هامش كل قضية عادلة، ويقتات على دماء المظلومين تحت غطاء “الحكمة والواقعية السياسية”، حتى إذا سقط المظلوم، خرج الصَّلاخي متأبطاً خطبة عن ضرورة ضبط النفس.
في زمن القيم المهترئة، أصبح “الصَّلاخي” رجل المرحلة، لأنه ينسجم مع منطق الزيف، وتدوير النفايات السياسية، ومراكمة الخداع على حساب الحقيقة.
إنه يشبه السراب في صحراء الأخلاق؛ يراه الناس من بعيد، فيظنونه ماءً، حتى إذا اقتربوا منه، لم يجدوا سوى غبار الطمع، وفقاقيع الكلام.
في صراع الأمم الحقيقي، لا تنهار الدول تحت ضربات العدو وحدها، بل حين تنتشر “الصَّلاخية” في مفاصل القرار ويُستبدَل الأصيل بالمُسلُوخ.
فـ«الصَّلاخي» يعيش على فتات المبادئ، يبيع الولاء لمن يشتريه، ويُبرمج ضميره على لغة الرياء… وما من فجرٍ يطلع على أمةٍ يُديرها «صَلاخي» إلا وتستيقظ على خيبتها، عارية من غدها.
إن الأمم التي تنبت فيها جذور «الصَّلاخة» تنبت فوق تربتها خناجر مسمومة… وما من سبيل للشفاء إلا بقطع دابر هؤلاء الذين لا أصل لهم ولا فرع.
وكما قال أحد الحكماء قديماً : « من لا جذر له ، لا ظل له… ومن لا ظل له ، لا يستظل به أحد » .







