أقلام حرة

التعليم الدامج في الأردن: بين طموح الاستراتيجية وواقع التضمين

بقلم: ا.د. إحسان الخالدي

يشهد العالم في العقود الأخيرة تحولا نوعيا في الفلسفات التربوية تجاه مفهوم التعليم، لم يعد الهدف مجرد الإتاحة، بل أصبح التركيز منصبا على الكرامة والمساواة، والحق في التعليم النوعي الشامل، وفي هذا السياق، يحتل التعليم الدامج موقعا مركزيا بوصفه نهجا تربويا وحقوقيا يهدف إلى إعادة تصميم المنظومة التعليمية لتلائم جميع المتعلمين، وتكفل مشاركتهم الكاملة، دون تمييز أو إقصاء.

في الأردن ورغم تبني وزارة التربية والتعليم للاستراتيجية العشرية للتعليم الدامج (2020–2030)، والتي تندرج ضمن التوجهات الوطنية لتعزيز العدالة التربوية، ورغم الجهود المبذولة من وزارة التربية والتعليم ومحاولتها الوصول الى تعليم دامج حقيقي ورغم التحديات المالية التي تواجهها، إلا أن التطبيق على الأرض لا يزال يعاني من فجوات مفاهيمية وهيكلية تعيق تحقيق الدمج الحقيقي، وتُبقي على ممارسات تقليدية تتعارض مع جوهر هذا النهج. ما تزال المدرسة الأردنية – في غالبها – تتعامل مع التعليم الدامج من منطلق طبي أو تعويضي، وليس من منطلق حقوقي. يطلب من الطالب ذي الإعاقة أن “يتكيف” مع بيئة لم تصمم من أجله، وتبذل الجهود لإعداده كي يلائم النظام، بدلا من تغيير النظام ليحتضنه هو وغيره من ذوي الفروقات.
هذا التحول في المنظور – من التكييف إلى التمكين – هو ما يميز التعليم الدامج الحقيقي، وهو ما يفتقر إليه عدد كبير من المدارس، يلاحظ أن كثيرا من الممارسات التي تقدَّم على أنها “دمج” ليست سوى تضمين تربوي مقنّع؛ إذ يلحق الطلبة ذوو الإعاقة بالصفوف النظامية دون تعديل في المنهاج، أو تطوير في استراتيجيات التعليم، أو توفير أدوات تيسيرية، أو تهيئة مناسبة للمباني، او إمكانية الوصول للمعلومات، حتى إعداد معلمين قادرين على إدارة التنوع داخل الصف، في حالات كثيرة، يكون وجود الطالب جسديا داخل الصف، لكنه يظل غائبا معرفيا ونفسيا واجتماعيا، وهو ما يعد شكلا خفيا من أشكال الإقصاء.
النهج الحقوقي للتعليم الدامج لا يقتصر على الحضور الجسدي فقط، بل يفرض تغييرا جذريا في فلسفة المدرسة ودورها الاجتماعي، فهو يعترف بالاختلاف كجزء طبيعي من الحياة الإنسانية، ويرى في التنوع البشري مصدر قوة لا عبء، ويؤمن بأن التعليم حق غير قابل للتجزئة، لا يربط بالكفاءة أو القدرة، بل بالانتماء والمواطنة الكاملة. وعليه، يصبح دمج الطلبة ذوي الإعاقة التزاما وطنيا وأخلاقيا لا خيارا إداريا.
تطبيق هذا النهج يفرض على النظام التعليمي مراجعة شاملة للسياسات والممارسات، تبدأ من اللغة التي يستخدمها، وتمر بكيفية إعداد المعلمين، وتصميم المناهج، وآليات التقييم، ولا تنتهي عند كيفية إشراك الطلبة وأسرهم في صناعة القرار التربوي، فما نشهده من تفاوت في التطبيق بين المناطق، وغياب الكوادر المؤهلة في مدارس الأطراف والمناطق النائية ومناطق جيوب الفقر، وضعف التنسيق المؤسسي، جميعها مؤشرات على أن الاستراتيجية العشرية لم تتحول بعد إلى التزام عملي شامل.

مدرسة التعليم الدامج لا تقاس بعدد الطلبة ذوي الإعاقة الملتحقين بها، بل بمدى تفاعلهم، ومشاركتهم، وتحقيقهم للإنجاز ضمن بيئة تحترم خصوصيتهم وتستجيب لاحتياجاتهم دون أن تجبرهم على التكيف مع ما لا يناسبهم، هي مدرسة تعيد تعريف النجاح، والتعلم، والانتماء.
إذا أردنا في الأردن تحقيق تعليم دامج حقيقي، لا بد من الانتقال من الشعارات إلى السياسات الفعلية، ومن المبادرات الموضعية إلى البنى المستدامة، فالتعليم الدامج ليس تجميلا للنظام، بل إصلاح جذري له؛ ليس امتيازا يمنح، بل حقّ يؤخذ.
أخطر ما يواجه هذا الحق هو أن يختزل في شكله الإداري أو يفرغ من مضمونه الحقوقي، فتتحول المدرسة إلى مساحة إقصاء صامت تحت لافتة الدمج، إن مستقبل العدالة التربوية في الأردن مرهون بقدرتنا على تجاوز التزييف المفاهيمي، وإرساء تعليم يعترف بالجميع، ويصمّم للجميع، ويمكّن الجميع.

زر الذهاب إلى الأعلى