السياحة والعصفور …
إبراهيم أبو حويلة
النظر إلى الربح المستعجل والفرص الضائعة دون وضع الخطط والدراسات ، للأسف لا يحقق الفرصة بل يضيع الكثير من الفرص ، في لقاء ملتقى النخبة مع المدير العام لهيئة تشجيع السياحة الدكتور عبد الرزاق عربيات ، كانت الكلمة المفتاحية التي تستطيع أن تعبر عن وضع السياحة في البلد هي عصفور باليد .
فعند السؤال عن سبب عدم قدوم عدد كبير من السياح للأردن ، كان الجواب بأنه لا يسمح للطيران منخفض التكاليف بالقدوم للاردن ، وذلك بسبب الضريبة المغادرة المرتفعة والتي تتجاوز في الحقيقة تكلفة التذكرة .
وعندما قام رئيس الوزراء السابق د عبدالله النسور بإلغاء الضريبة وبدأت السياحة في الأردن في الارتفاع ، وأصبح هناك تصور وطرق ووسائل لزيادة عدد القادمين من هذه الدولة او زيادة عدد الأيام للسائح بدأت الأمور تتحسن .
نعم السياحة تعتمد على جملة من العناصر وهذه العناصر تسعى في الحقيقة لأرباح ذاتية ، وكلما عظمت المنفعة للجهات المتحكمة والموجهة لحركة السائحين سمحت بالزيادة هنا أو النقص هناك ، ولا بد من معرفة هذه العناصر وكيفية التأثير عليها لزيادة عدد السائحين ، وهذا ما نجحت به الهيئة .
فقد بدأت حركة السياحة في الإنتعاش والأعداد في الارتفاع حتى أصبحت الأردن من أول عشر دول سرعة في زيادة عدد السياح ، ولكن وكما هو قدر الأردن دائما لا تستمر الحال على ما هي عليه ، فنحن في هذا الجزء من العالم لا تمر بضع سنوات إلا بحدث رئيسي يؤثر على المنطقة بشكل كامل .
وعندها لا بد من تعديل الخطط والوسائل والأساليب لمواجهة الحدث ، وبعضها ننجح في التعامل معه والأخر لا ، فلا حيلة مع الحروب والامراض مثلا .
نعود لعصفورنا ففي كل مرة تضع فيها خطة لتشجيع السياحة أو تشجيع الإستثمار في السياحة تصطدم بهذا العصفور ، فمن السياحة العلاجية والتي سعى بعض أطرفها إلى تعظيم مكاسبهم المباشرة ، ولو عن طريق إستغلال المريض بشكل تجاوز الأخلاق والمعروف وتجاوز الأعراف وزيادة التكاليف أو مضاعفتها بالتالي ضاع العصفور .
ولو نظر صاحبنا بعين العقل ، لإستثمر في هذا المجال بأن يقدم الخدمة للسائح من لحظة دخوله إلى أرض الأردن إلى لحظة مغادرته بالشكل العادل المنصف لكسب الوطن سياحة ضخمة من العديد من دول المنطقة التي تعرضت لأزمات ولا يستطيع المواطن العلاج فيها ، ولكن العصفور باليد أضاع كل العصافير .
وهذا الذي حدث للأسف في الأنواع الباقية من السياحة من تعليم إلى ترفيه إلى مؤتمرات إلى أخره ، فقد كنّا نبحث عن العصفور في اليد .
ونسينا أن المهم أن تقنع باقي العصافير بجدوى السياحة في الوطن ، وليس المهم أن تعصر هذا العصفور إلى القطرة الأخيرة ، لأنك عندها ستخسر باقي العصافير وهذا ماحدث .
ولذلك أشار مدير الشرطة السياحية السابق وعضو الملتقى أن المهم هو عامل التكرار للسائح هل يعود أم لا يعود ، لأن هذا ما يعطي مؤشر واضح عن مدى رضى السائح عن التجربة بشكل كامل ، وهذا ما يحدث مع المواطن الذي يعود إلى تركيا أو مصر مرة بعد مرة ، ولا يعود إلى البلد الذي يشعر فيه بأنه تم استغلاله ، او ان التجربة لم تكن مرضية .
هل تستطيع حكومتنا أن تتحرر من عقدة العصفور باليد ، ام ان هذه الظاهرة التي كانت السبب في هجرة الألاف من المصانع والمنشأت والشركات للوطن بسبب ضريبة هنا أو تحرير سعر الطاقة هناك ، او بيروقراطية في وزارة البلديات أو الصناعة أو غيرها ، ما تزال هي السمة الظاهرة الأكثر إنتشارا ، فمشاريع السياحة ما زالت تصطدم بتعديل صفة الإستخدام هنا وبرسوم هناك ، وبيروقراطية في هذه الجهة أو تلك ، وكأن العائد على الإستثمار أو المستثمر يملك بئرا من العصافير لا ينضب .
تتعرض المشاريع السياحية اليوم أو كل المشاريع على أرض الوطن للأسف لضائقة كبيرة قد تؤدي هذه الضائقة إلى إغلاق العديد منها ، هذا بصرف النظر عن تلك التي أغلقت أصلا أو تعثرت أو تعسرت ، والسبب هو العصفور باليد .
ولو أن الحكومة الرشيدة تعاملت برشد مع المشاريع والإستثمار والضرائب والخدمات والبنى التحتية والمشاريع السياحية ، ولو أنها نظرت بعين الشراكة لا عين الجباية لهذه المشاريع لكان تغير واقع الوطن .
نحتاج إلى قليل من الحوكمة الرشيدة هنا ، فإبن الوطن عندما يحول بيته إلى مطعم أو نزل أو ينشىء منتزها او فندقا أو يبيع أملاكه ليشتري وسيلة نقل سياحية ، يحتاج إلى قليل من الرعاية والتوجيه والدعم والترشيد لا إلى الإستغلال والجباية ، ونجاحه ووضعه على الطريق الصحيح وضبط أخلاقه وسلوكه وجودته وتصرفه هو قصة نجاح للوطن .
هو عودة للسائح وهو نشاط اقتصادي ، ودخل وعملة صعبة ، وهي سمعة تتبعها سمعة تؤدي إلى حركة ونشاط ودخل وزيادة في الناتج الوطني وفرق على مستوى المواطن والوطن .
هل أدركنا الفرق بين عصفور باليد والعشرة الأخرى الي اضعناها .







