أقلام حرة

ماذا تحمل رسالة الملك لمدير المخابرات..!

د. مفضي المومني.

جهزت المخابرات في الدول المختلفة لها دور واحد أساسي، هو المحافظة على أمن ومستقبل وديمومة الأوطان من خلال توفير المعلومات والفعل الأمني المتكامل، أجهزة المخابرات أجهزة تعتمد الذكاء والحرفية وإستخدام التكنولوجيا المتقدمة من خلال أفراد مدربين ومنضبطين بطريقة خاصة، للحصول على المعلومات ووضعها أمام صانع القرار، ليأخذ القرار الذي يصب في المصلحة الوطنية، وهذا مستمد من هرم المعرفة الذي يبدأ بالبيانات الخام الصماء(Data)، وهذه البيانات عندما تخضع لمعالجات تكسبها معنى وقيمة تصبح معلومات(Information)، ومن امتلك المعلومة إمتلك المعرفة(Knowledge)، ومن امتلك المعرفة إمتلك الحكمة(Wisdom)، والحكمة المقصودة هي الحكمة في صنع وأتخاذ القرار الحكيم والمناسب؛( Decision Making) والقرار المبني على تسلسلية؛ المعطيات التي تحول إلى معنى، ومن ثم إلى سياق يرتكز عليه التطبيق، ومن هنا كلما عملت أجهزة المخابرات بحرفية ووفرت المعلومة في وقتها لصانع القرار، أسست لقرار حكيم مبني على معطيات، ولا يقتصر العمل المخابراتي حاليا على الدول بل أن كبريات الشركات العالمية تمارس العمل المخابراتي من خلال مؤسسات متخصصة، للحصول على معلومات المنافسين في السوق المحلي والعالمي لتدعم وضعها وتميزها وتفوقها.

في الأردن جهاز المخابرات مر بمراحل كثيرة، عبر موجات سياسية متغيرة وحكومات، أصاب وأخطأ، والحكم السلبي عليه في ذهنية البعض يعود لممارسات سابقة، وإرتباط أحد أدواره بالنشطاء السياسيين أو الحزبيين أو الجهات التي كانت تقف ضد البلد، فكانت الإستشارات الأمنية والتعيين وعدمه والملاحقة، وكذلك الأدوار القمعية لبعض أجهزة المخابرات في الدول الديكتاتورية ذات الحكم الشمولي، شكلة ذهنية سلبية تجاهه، وهذه إستغلها البعض لتشويه صورته، ولكن بموضوعية المخابرات تطور عملها في بلدنا وبحرفية تصب في الصالح الوطني، فرغم كل ما يدور حولنا بقي الأردن محافظا على إستقراره وأمنه الوطني، ومن تشكيل حكوماتنا نلاحظ، أن غالبية الوزراء ليس لديهم خبرات أو فكر ايديولوجي يمكنهم من التخطيط الإستراتيجي للبلد وتسيير الأمور بالإتجاه السليم، فبقي أمر الخط السياسي يحكمه من الباطن جهاز المخابرات، وقد يكون ذلك مبررا في ظل عدم نضوج العمل الحزبي ومؤسسات الدولة ووزاراتها، الرسالة الملكية لا يفهم منها تفريغ الجهاز من مضمونه، أو تقليم أظافره التي تغلغلت في كل الإتجاهات والمؤسسات والفعاليات الوطنية، فصارت تمثل الإدارة الأبوية التي تقودك بيدك لتفعل كل شيء ، حتى أن بعض الوزراء أو المدراء لا يحرك ساكناً في مؤسسته إلا بعد إستشارة الجهات الأمنية، متخليا عن مسؤولياته وصلاحياته خوفا أو طمعا بكسب الود والرضى والإستمرار في المنصب.

ما فهمته من رسالة جلالة الملك، قد يكون عطفاً على سجلنا العالمي في الحريات، وتراجع مركزنا كدولة مدنية إلى دولة غير حرة أو غيرها من المسميات، تدار من منظور أمني، فقد تكون نقطة تحول، إلى دولة مدنية بالمعنى الحقيقي، مؤسساتها ناضجة بحيث تستطيع إدارة دورها وفعلها الوطني بالتناغم مع سياسة الدولة المدنية التي تحترم الحريات فعلا ولا تلف وتدور حولها… ! ويكون دور جهاز المخابرات دور إحترافي محدد دون خروج أو إمتداد لأمور ليست من إختصاصه، فيبقى كما عهدناه صمام أمان للبلد يذود عن سيادته وأمنه بكل صمت، ونخرج من محاولات البعض لإسقاط أي إخفاقات على هذا الجهاز، صحيح أن هنالك إدارات مرت بعمر الجهاز إرتكبت مخالفات أو أخطاء، بعضها عوقب وبعضها حيد وبعضها استمر، ولا نحسب إلا أن ذلك يبقى فرديا وليس سياسة بلد.

طموحنا مثل طموح جلالة الملك، جهاز مخابرات قوي متخصص، لا تأخذه وتشغله إمتدادات إنغمس فيها وهي خارج إختصاصه، قد تكون فرضتها مراحل سابقة، إلى التأثير على دوره الأساسي، بحيث يتم إعطاء مساحة للمستوى السياسي الناضج أن يدير الفعل معتمداً على المعلومة التي يوفرها الجهاز، جهاز المخابرات جهاز وطني أساسي لدينا ولدى غيرنا، من يعرف بواطن الأمور يدرك أن له دور عظيم في حماية بلدنا، وأجزم لو أن هذا الجهاز أخذ دوره الحقيقي في مكافحة الفساد لجففه منذ زمن، ولكن تبقى محاولات صراع النفوذ وأصحاب المصالح والإجندات؛ باتجاه تحديد وإضعاف دور الجهاز لكي لا يصل إليهم، وهذا موجود في غالبية دول العالم، ولكنه ليس في صالح البلد.

ربما نحتاج لوقت لنرى تبلور رؤى رسالة الملك، وتنفيذها، لنصل لطموحنا بدولة مدنية، تحترم الرأي والرأي الآخر ويقف كل شخص أو مؤسسة فيها على ثغرة من ثغر الوطن ولا يؤتين من قبله، بحيث تصبح المسؤلية الوطنية والمصلحة العامة هي المحرك وليس المصالح الشخصية الآنية او الأجندات الخارجية المشبوهة، نحب الأردن ونحبه الأفضل، نختلف على التفاصيل ولكن يجب أن يكون الهدف واحد.

… حمى الله الأردن.

زر الذهاب إلى الأعلى