أقلام حرة

وصفي التل…حالةعشق وطني!!

د. مفضي المومني

وصفي التل رحمه الله… ايقونة عشق وحب اردنية ممتدة… ورغم سنين الغياب ما زالت تطاردهم…من هم؟ كل الزعامات الفاسدة والهلامية والطارئة وتلك التي سرقت فرحتنا ورغيف خبزنا وزعترنا وقيصومنا وشيحنا…وأرضنا وكرامتنا… . وكل من ينتفض عند ذكر اسمه…متذكرا نقصه وجحوده وإخفاقه… وصفي… ايها الراحل الحاضر فينا… حتى في موتك ورغم إنقضاء عشرات السنين على رحيلك فما زلت الأنموذج الزاهي لوطنية تكبر فينا مع كل ذكرى لك ولرحيلك، نستفيء بظلها… في زمن الرويبضات وشح الرجال الرجال… !، ما زلت يا وصفي يا أبن إربد الخرزات وسهول حوران… إبن ذات الدار واقحوانة الارض وشتلة زعتر بري تبعث عبقها في كل نفس أردنية الهوى..وأنت أيها الشهيد… شقائق نعمان تزين طرقاتنا وجبالنا وقبرك وذكرك وشهادتك… أنت إبن الأرض من شيحان إلى البلقاء إلى عجلون… والكرك.. ما زلت يا وصفي عشق الأردنيين الشرفاء رغم سنين غيابك! عندما أطلق محمود درويش رائعته الآن في المنفى، حسبه البعض ينعى نفسه في حياته …. عندما قال في آخر قصيدته….. سيري ببطء، يا حياة، لكي أَراك بِكامل النقْصَان حولي. كم نسيتكِ في خضمٌِكِ باحثا عنٌِي وعنكِ. وكلَّما أدركت سرٌا منك قلت بقسوة: ما أَجهلَكْ! قل للغياب: نَقَصْتَني وأَنا حضرت…لأكملك…. وكذا وصفي ذهب إلى الموت برجليه ممتشقا شجاعة الرجال والإيمان بالله وبقدره، رغم نصائح الجميع بعدم الذهاب للقاهرة…ليقضي شهيدا….تاركا لنا، ولكل من تسنم المسؤولية في بلدي، حملا ثقيلا حَمَله ولم يدانيه فيه احد بعد..! مازلت اذكر، كنت في الصف الخامس الابتدائي بمدرسة صخرة محافظة عجلون عندما اغتالت يد الغدر وصفي التل، رئيس وزراء الأردن في 28/11/1971م، يومها خرجت مدرستنا طلابا ومعلمين مثلما خرج كل الأردنيين، في مسيرة جابت شوارع بلدتنا الصغيرة صخرة -محافظة عجلون، كنا صغار ايامها… بطفولتنا الغضة …حملنا صور وصفي، وهتفنا لوصفي وللوطن، وبكيناه وسالت دموع طفولتنا البريئة وعفويتنا لتقبل تراب الوطن، واذكر أن المسيرة توقفت وسط البلدة، وبالذات أمام مبنى البريد، وخطب فينا مدير المدرسة الأستاذ محمد المومني رحمه الله، وبعض الطلبة، وكان موقفا مهيباً في حضرة رجل من رجالات الأردن، لم تدرك طفولتنا اليانعة يومها معناه، وكبرنا وكبر الوطن وعرفنا أن وصفي كان رجلا بحجم وطن، كان رجلا يحمل الوطن ولم يحمله إلا في ترابه، وكبرت خيباتنا بكثير من رجالاته الذين أوصلونا إلى ما نحن فيه من خيبات، لأنهم كانوا عالة على الوطن وأخذوا لا بل سرقوا كل ما وصلت أيديهم إليه، لأنهم اختاروا أن يحملهم الوطن، ولم يكن الوطن لديهم أكثر من شركة مساهمة يسرقوا منها، حتى إذا أفلست تركوها لقدرها….!! أو حقيبة مسافر… ويصح فيهم ما قاله شاعرنا حيدر محمود عندما كتب لوصفي قصيدته يا دار وصفي: يا دار وصفي التل أوشك أن أرى وصفي يعود فزيني الساحات وعرار بين يدي قصيدته على مهرين من وجد وطهر صلاة خذ يا عرار فمي ويا وصفي دمي واسترجع الزمن القديم الآتي قولا لأطفال الأنابيب اخرجوا بشموسكم ودعوا لنا العتمات إنا نحب الليل نسهره على نار القرى وحرارة الدبكات فخذوا النهارات الملوثة التي ملأت قلوب الناس بالحسرات ودعوا ليالي القدر توقظ في الحمى أحلامه من بعد طول سبات هذا الحمى للقانعين بخبزه وبما تيسر فيه من خيرات لا مال فيه ولا سبيل إلى الغنى فيه بغير تبادل الصفقات وانأ وإخواني صعاليك الحمى سنقابل الضربات بالضربات وسنستعيد غدا لنرجعه إلى غده ونطوي آخر الصفحات…. اشتهر بلدنا بتعدد تشكيل الوزارات ورؤسائها حتى أننا أصبحنا مؤهلين لدخول كتاب جينيتس للأرقام القياسية بذلك، وليس هذا بيت القصيد بل هل يتذكر الأردنيون رئيس وزراء كما يتذكرون وصفي؟ لماذا وصفي بعد تسع وأربعون عاما، ما يزال حاضرا في وجدان وذاكرة الأردنيين في زمن الردة ونسيان التاريخ، كأنه لم يغب؟ الجواب تجده في سجايا وصفي رجل الدولة الوطني الإنسان القومي العروبي الحراث عاشق الأرض،وصفي مصطفى وهبي التل حالة وطنية تجد إجاباتها بتاريخ وصفي ومواقفه وإنسانيته، وربما كانت امتدادا بصورة أخرى لوالده شاعر الأردن عرار الذي كتب للوطن وإنسانه وخبزه وكرامته ونوره وجميلاته، ودفع مقابل مواقفه وشعره السياسي السجن والنفي وعيشته البوهيمية وهو خير من اعتز بالهوية الأردنية حين قال: ” قالوا تدمشق قولوا ما يزال على..علاته اربدي اللون حوراني”، وصفي حالة وطنية بامتياز أنصفه كل من عرف حقيقته ومواقفه ووطنيته، وقد تخرج من مدرسة السلط سنة 1938 وانتقل بعدها للدراسة في الجامعة الأمريكية في بيروت والتي كانت في حينه حاضنة سياسية بامتياز ومركزا للاستنهاض العروبي،متخصصا بالكيمياء والفيزياء ثم معلما في الكرك ومن ثم مدرسة السلط وبعدها عين متصرفا للسلط عام 1942 وفيما بعد انضم إلى الجيش البريطاني ثم سرح من الخدمة بسبب ميوله القومية العربية خلال الخدمة فيه، والتحق بجيش الجهاد المقدس بقيادة فوزي القاوقجي، وحارب في حرب فلسطين في 1948 م ثم استقر بعدها في القدس ليعمل في المركز العربي الذي كان يديره موسى العلمي، وتزوج سعدية الجابري ذات الأصول الحلبية وتوفيت السيدة سعدية عام 1995 وكانت قد أوصت بتحويل بيتها إلى متحف وهذا ما حدث بالفعل، يذكر أن وصفي التل لم ينجب أولاداً، وفي عام 1955 عين مديرا لدائرة المطبوعات والنشر ومن ثم مديرا للإذاعة الأردنية عام 1959 وهو من أول مؤسسي الإعلام وطني، إلى أن كلف بتشكيل وزارته الأولى عام 1962 التي كان عنوانها تصحيح مسار الإدارة العامة ووضع خطة لتحرير فلسطين، والتأسيس لاقتصاد وطني يعتمد على الزراعة وتحقيق الاكتفاء الذاتي وعدم ارتهان القرار الوطني للأجنبي، في شباط 1965 م كلف وصفي التل بحكومته الثانية ؛ ومما نقرأه في أوراق تلك المرحلة ما قاله دوله وصفي التل في محاضرة لمؤتمر التوعية التربوي في رام الله في 13 تموز 1966 م يقول وصفي “ والحقيقة أن سلاحنا الحقيقي هو العقل والخلق والعلم و الإيمان بمعناه الواسع .. الإيمان بالله والإيمان بواجب المواطن نحو أمته والإيمان بواجبه …. وإن هدف المجتمع من أوله لأخره سواء بجانبه الرسمي أو جانبه غير الرسمي هو الوصول إلى الغنى الروحي والغنى المادي وحتى نصل إلى ذلك لا بد من التضحية بمالنا والتضحية بدمائنا , التضحية بعواطفنا التضحية في كل أنواع الراحة التي توهمنا أنها طريق سهل إلى أي هدف حتى لو كان الهدف قريباً إذ لا بد من الهدف “وبعدها شكل حكومته الثالثة عام 1970 وحتى اغتياله 1971 ويكفي شهادة رئيس الديوان الملكي الأسبق ووزير الإعلام في حكومة وصفي التل عدنان أبو عوده، حين قال في ندوه حواريه عقدت بالجمعية الأردنية للعلوم والثقافة في ذكرى استشهاد وصفي التل “إن الحديث عن وصفي ليس أمرا سهلا وقد تعرفت عليه عام 1966 في معركة السموع وبقيت الصلة وزادت عمقا بعد حرب حزيران 1967 ووصفي شخصية جدلية مركبة متعددة الأبعاد صاحب رؤيا وكان ينظر إلى رئاسة الحكومة أنها تعني قيادة وإصلاح للبلد وليس تميز اجتماعي ، ومما قاله إن وصفي اغتيل مرتين مرة من أعدائه السياسيين في عمان والثانية في القاهرة ، وأخشى أن يغتال وصفي للمرة الثالثة وأن يوصف انه كان ضد الفلسطينيين وهذه الفكرة هناك جيل كامل من الشباب ربما يتبناها مع أن وصفي كان وطنيا وليس إقليميا”. ومما يحسب لوصفي مواقفه السياسية ومعارضته لسياسات عبد الناصر في حرب 1967 وموقفه من عدم اشتراك الجيش الأردني في المعركة حين قال للملك حسين في حينه حاكمني وأعدمني بتهمة الخيانة العظمى مقابل عدم الزج بالجيش الأردني في معركة خاسرة، وكان الملك يعرف ذلك لكنه شارك مرغما حتى لا تنسب الخسارة المتوقعة للمعركة للأردن، وقف وصفي أمام جميع خصومه السياسيين في الداخل بنظافة يده وعدم دخوله نادي الفاسدين وحمل على عاتقه هم المواطن والوطن ومات ولم يكن في حسابه البنكي إلا بقايا راتبه وكان يستدين لسد حاجاته اليومية، كان قائدا وطنيا ملهما دفع حياته ثمنا لمواقفه وتآمر عليه المتآمرون، لأنه مثل حالة وطنية لا تعجب الغرب والمتخاذلين، لذا يعيش وصفي في ذاكرة الأردنيين كحالة فخر والهام وطني، ويذهب غيره ممن استباحوا الوطن وسرقوه إلى مزابل التاريخ…ومن قال إن ذاكرة الشعوب قصيرة فليأخذ وصفي أنموذجا، رحم الله وصفي، وحمى الله الأردن.

زر الذهاب إلى الأعلى