
نقد حور نقلا عن سارة كين ذهان ضمن فعاليات مهرجان المونودراما
الشاهين الاخباري – دعاء خلف
على طرف الخشبة، وقفت فتاة ترتدي الأبيض فوق سلم خشبي. في الجهة الأخرى مرآة، وكرسي، ومساحة شبه خالية ستتحول بعد قليل إلى عالم مغلق على صاحبته، رغم اتساع المسرح من حولها.
كانت البداية رمزية وهادئة ظاهريًا. ثم بدأت الكلمات تخرج مفككة: حب، قتل، موت. تعود الكلمات نفسها بترتيب آخر، وتتبدل مواقعها، ثم تعود من جديد. انتظرت جملة يمكن الإمساك بها، وحين جاءت واحدة واضحة، مثل «أريد الموت»، سرعان ما انكسرت اللغة بعدها.
لم يكن هناك حوار بالمعنى المألوف. كانت هناك كلمات، وشذرات، وفترات صمت، وصوت يبدو أحيانًا كأنه يحاول الوصول إلى شيء ثم يتراجع.
«حور» مونودراما أعدتها وأخرجتها وأدتها نور أبو سماقة، مستندة إلى «ذهان 4.48»، النص الأخير للكاتبة المسرحية البريطانية سارة كين. وحين عدت إلى طبيعة النص الأصلي، فهمت أن هذا التشظي ليس طارئًا على العرض؛ فقد كتبت كين مسرحية بلا شخصيات مسماة أو عدد محدد من المؤدين، ومن دون إرشادات إخراجية تقليدية. إنها تضعنا داخل ذهن يعاني اكتئابًا شديدًا، ولا تحاول أن تروي لنا ما يجري فيه من الخارج.
هذا يفسر غياب الحكاية التقليدية، لكنه لا ينهي السؤال الذي رافقني في الصالة: ماذا فعل إعداد «حور» كي يجعل هذا التشظي قابلًا للمشاهدة؟
في بعض اللحظات، استطاع ذلك.
دخلت نور أبو سماقة الحالة بجسدها قبل صوتها. ظهر عليها التعب والإجهاد النفسي إلى درجة جعلتني أصدق أنني أمام إنسانة تعاني فعلًا، لا ممثلة اختارت مجموعة حركات متعارفًا على أنها تشير إلى الجنون. كان جسدها يتغير مع الحالة التي تؤديها؛ يرتفع أداؤها فجأة، ثم يهبط، وتنتقل من توتر حاد إلى انطفاء شبه كامل.
لم يكن الأداء ثابتًا على مستوى واحد، وهذا يتناسب مع شخصية لا تعرف الاستقرار. في مقاطع معينة بدا ممسوكًا ودقيقًا، وفي مقاطع أخرى اقترب من الفوضى. بقيت أسأل نفسي إن كانت تلك الفوضى جزءًا من بناء الدور، أم أن العرض فقد إيقاعه للحظة.
الفارق ليس سهلًا دائمًا.
الشخصية المضطربة قد تتصرف بطريقة تبدو عشوائية، لكن أداء هذا الاضطراب يحتاج إلى نظام خفي. يجب أن يكون هناك ما يضبط لحظة الانفجار، ومدة الصمت، والعودة إلى الكلمة نفسها. شعرت بوجود هذا النظام أحيانًا، ثم فقدته في أحيان أخرى.
الإضاءة كانت أكثر وضوحًا في علاقتها بالحالة. تغيرت بحسب ما تمر به الشخصية، وضاقت أو اشتدت معها. لم تُستخدم فقط لإظهار الممثلة داخل مساحة قليلة العناصر؛ كانت تتبع تقلبها النفسي وتمنح المشاهد المتتالية شيئًا من الترابط الذي لم توفره الكلمات دائمًا.
وساعدت المؤثرات الصوتية على إبقاء الجو قائمًا. عندما أصبحت اللغة شديدة الالتباس، كان الصوت يعيدني إلى الحالة، ولو لم يشرحها.
على الخشبة، لم يكن هناك الكثير: سلم خشبي، مرآة، كرسي، وثوب أبيض. بدا التقشف مناسبًا لمونودراما تعتمد على الحالة أكثر مما تعتمد على الحدث. لكن السلم والمرآة حملا منذ البداية وعدًا بمعنى لم أستطع أن أتتبعه حتى النهاية.
قد يكون السلم صعودًا أو سقوطًا أو وقوفًا بين مستويين. وقد تكون المرآة مواجهة مع الذات أو عجزًا عن التعرف إليها. هذه احتمالات خطرت لي، إلا أن العرض لم يدفعني بوضوح نحو أحدها. بقي العنصران أمامي، حاضرين وقابلين للتأويل، من دون أن أشعر أن معناهما تغير مع تطور الشخصية.
ربما لا يريد العرض أن يمنحهما معنى محددًا. لكن الرمز المفتوح يحتاج إلى علاقة بما حوله، وإلا بقي مجرد احتمال.
أكثر الصور التصاقًا بذاكرتي جاءت عندما غادرت الممثلة حدود الخشبة وبدأت تلف شاشًا أبيض حول المتفرجين.
تغير شيء في القاعة.
لم نعد نراقب امرأة مضطربة من مسافة آمنة. أصبحنا داخل المساحة التي تصنعها، نتابع الشاش وهو يمر حولنا ونحاول أن نفهم ما الذي تفعله بنا. رافق المشهد صمت زاد الارتباك، وظل الجمهور يراقب حتى اكتملت الدائرة.
هل كان الشاش كفنًا؟ ضمادًا؟ حاجزًا بين الشخصية والعالم؟ هل احتوتنا داخله أم حاصرتنا؟
لم أعرف.
ولا أظن أن العرض كان مطالبًا بإجابة واحدة، لكنني احتجت إلى رابط صغير بين هذه الصورة وما سبقها. حركة، أو صوت، أو كلمة تعود في اللحظة نفسها وتمنح الشاش صلة أوضح بالحالة. لم يحدث ذلك، أو أنني لم ألتقطه.
ومع ذلك بقي المشهد في رأسي. دخل إلى مساحة الجمهور، وأربك القاعة، وجعلنا جزءًا مما يحدث بدل أن نبقى خارجه. هذه نتيجة مسرحية حقيقية، حتى لو ظل مقصدها بعيدًا.
تكرر هذا التناقض طوال العرض: كنت أتلقى الحالة، ثم أفقد معناها. أقترب من الشخصية، ثم تبتعد عني الكلمات.
لحظات الصمت كشفت ذلك أكثر. بعضها عبّر عن عجز الشخصية عن الكلام، وكأن اللغة وصلت إلى نقطة لا تستطيع تجاوزها. في تلك اللحظات، بقيت القاعة داخل المشهد. وفي مواضع أخرى طال الصمت، وشعرت بأن الانتظار صار متعلقًا بما ستفعله الممثلة لاحقًا، لا بما يحدث في داخل الشخصية.
لم يكن تفاعل الجمهور كبيرًا، لكن القاعة واصلت المتابعة حتى النهاية. لم يكن واضحًا أن الجميع استطاع الدخول إلى منطق العرض، إلا أن حضور الممثلة منع الحيرة من التحول إلى لامبالاة.
هذا يحسب لها.
كنت أشعر بأن الشخصية تسير نحو مكان شديد القسوة. غير أن المقاطع لم تتصل أمامي بما يكفي كي أرى مسارًا واضحًا لهذا الذهاب. لا أتحدث عن حكاية ذات بداية وعقدة وحل؛ نص سارة كين لا يقدم ذلك أصلًا. ما افتقدته كان تحولًا داخليًا يمكن الإحساس به، ولو ظل غامضًا.
دخلت الشخصية في انفعالات متتابعة، وكررت كلماتها، وصمتت وتحركت ثم انتقلت إلى صورة أخرى. بعض هذه الصور امتلك قوة مستقلة، لكن ما بينها بقي ضعيفًا. شعرت أحيانًا أنني أشاهد حالات متجاورة أكثر من مشاهد تنتمي إلى رحلة واحدة.
وهنا ظهرت صعوبة جمع نور أبو سماقة بين الإعداد والإخراج والتمثيل.
ليس خطأً أن تخرج الممثلة عرضها، وهناك تجارب مونودرامية ناجحة قامت على ذلك. لكن الوقوف داخل الحالة ومراقبتها من الخارج مهمتان مختلفتان. في نص متشظٍ مثل «ذهان 4.48»، تصبح المسافة بينهما شديدة الحساسية.
نور تعرف لماذا اختارت السلم والمرآة، وماذا يعني الشاش بالنسبة إليها، ولماذا تصمت هنا وترفع صوتها هناك. الجمهور لا يمتلك هذه المعرفة. وما يكون واضحًا لصانعة العرض قد يصل إلى المقاعد ناقصًا أو مغلقًا.
لهذا شعرت بأن «حور» كان يحتاج إلى عين أخرى تراقبه من خارج الخشبة. مخرج مستقل، أو دراماتورج يختبر إيقاع المشاهد وعلاقة الرموز بعضها ببعض. لا ليجعل العرض سهلًا أو يشرح غموضه، وإنما ليسأل أثناء البروفات: هل وصل ما نعتقد أنه وصل؟
كان الأداء في أفضل حالاته عندما بدا أن نور نسيت أنها تراقب نفسها. عندها حضرت الشخصية بصدق، وأصبح تعبها وتوترها مقنعين. لكن العرض احتاج في المقابل إلى شخص يراقب الصورة كاملة، بما فيها رد فعل القاعة.
قرب النهاية، فُتحت الستارة وظهرت عازفة بيانو.
لم أفهم سبب ظهورها لحظة حدوثه. بدت قادمة من مساحة أخرى، ولم أكن مستعدة لربطها بما شاهدته قبلها. بعد العرض، وجدت أن الحركة قد تكون متصلة بخاتمة نص سارة كين التي تطلب فتح الستائر. وربما أرادت نور أن تترك الموسيقى تتكلم بعد أن فشلت الشخصية في جمع لغتها.
هذا احتمال. لكنه لم يصلني داخل العرض.
لو كان للبيانو حضور سابق، حتى لو كان خافتًا أو بعيدًا، لربما بدا كشف الستارة كأنه وصول إلى مصدر كان موجودًا طوال الوقت. أما ظهوره في النهاية وحدها، فتركني أمام صورة جديدة بدل أن يعيد ترتيب الصور السابقة.
انتهت المسرحية ولم يقع موت على الخشبة، ولم يتحقق انتصار، ولم تأخذ الشخصية خلاصًا واضحًا. هذا لا يزعجني في ذاته. النهاية المفتوحة ملائمة لعالم سارة كين، وربما لا تحتمل الشخصية أصلًا نهاية تمنحها الراحة.
ما حيّرني هو أنني لم أعرف أين وضعتنا نور أبو سماقة بعد كل ما حدث.
ماذا أرادت من الشاش الذي أحاطت به القاعة؟ ما الذي جمع السلم والمرآة بالستارة وعازفة البيانو؟ ولماذا اتخذ هذا النص اسم «حور» في إعداده الجديد؟ كنت بحاجة إلى أن أشعر بأن هذه العناصر تنتمي إلى رؤية واحدة، حتى لو لم أستطع تفسيرها كلها.
لم أصل إلى ذلك تمامًا.
لكنني لا أستطيع وصف العرض بأنه تجربة فارغة أو ضعيفة. هناك ممثلة تمتلك حضورًا وإحساسًا حقيقيين. هناك إضاءة فهمت نفسية الشخصية، ومؤثرات صوتية حملت بعض المقاطع حين تراجعت قدرة الكلمات على التواصل. وهناك مشهد الشاش الذي انتقل من الخشبة إلى القاعة وبقي حاضرًا بعد النهاية.
«حور» لا يشبه كثيرًا من الأعمال التي تمنح الجمهور طريقًا واضحًا ومباشرًا. وهذه جرأة تحسب له. إلا أن الغموض في بعض المواضع لم يفتح المعنى، بل أبقاه بعيدًا.
خرجت من العرض وفي داخلي أثر لم يتبدد سريعًا، لكنني بقيت أبحث عما يجمع صوره.
وصلتني حالة «حور».
أما ما كانت نور أبو سماقة تريد قوله من خلالها، فما زلت لا أعرفه.










