أقلام حرة

عندما تتحدث الراية

بقلم المخرج احمد العطيان

ليست الرايات مجرد أقمشة ترفرف في الهواء، بل ذاكرة أمم، وسجل تضحيات، وشاهد حيّ على مسيرة الرجال. ومن بين رايات العرب جميعًا، بقيت راية الثورة العربية الكبرى تحمل حكاية لا تشبه سواها؛ حكاية بدأت بنداء حرية، وتحولت إلى مشروع نهضة، ثم استقرت في وطن أصبح عنوانًا للثبات والعزة والكبرياء.

منذ أن ارتفعت في سماء الحجاز، لم تكن تبحث عن مجد عابر، بل عن أمة تستعيد قرارها وكرامتها. كانت تمضي بين الثوار كأنها وعدٌ مكتوب على صفحات القدر، وكلما ارتقى شهيد أو غاب فارس، ازدادت إشراقًا وإصرارًا، لأن الرسائل العظيمة لا تموت برحيل أصحابها، بل تكبر بتضحياتهم.

وحين وصلت إلى الأردن، وجدت أرضًا تعرف معنى الرسالة، وشعبًا يؤمن أن الأوطان لا تقوم على الحجر وحده، بل على الرجال الذين يحرسون المبادئ قبل الحدود. هنا لم تكن الراية ضيفة، بل عادت إلى أهلها؛ إلى قلوب حملت ذات الحلم، وإلى قيادة واصلت المسير على الدرب نفسه الذي خطه الأوائل بدمائهم وإيمانهم.

وفي العاشر من حزيران من كل عام، تتجدد الحكاية في وجدان الأردنيين. يومٌ تلتقي فيه ثلاثة معانٍ عظيمة؛ ذكرى الثورة العربية الكبرى، ويوم الجيش، وعيد الجلوس الملكي. ثلاثة مناسبات تتوحد في معنى واحد: الوفاء لمسيرة وطن صنع مجده بالصبر والكفاح والعمل.

فالثورة العربية الكبرى لم تكن حدثًا عابرًا في صفحات التاريخ، بل كانت ولادة مشروع نهضوي عربي أعاد للأمة ثقتها بنفسها، ورسّخ قيم الحرية والكرامة والوحدة. أما الجيش العربي المصطفوي، فقد كان الامتداد الطبيعي لذلك المشروع؛ جيشًا حمل عقيدة الشرف والتضحية، وكتب بدماء أبطاله ملاحم خالدة في القدس واللطرون وباب الواد والكرامة، لتبقى بطولاته منارات تهدي الأجيال إلى معنى الانتماء الحقيقي.

ولأن الأوطان العظيمة تحتاج إلى قيادة عظيمة، جاءت المسيرة الهاشمية امتدادًا أمينًا لرسالة الثورة. فوسط منطقة عصفت بها الأزمات وتقاذفتها التحولات، ظل الأردن واحة استقرار وعنوان حكمة، مستندًا إلى قيادة تستمد شرعيتها من التاريخ، وقوتها من التفاف شعبها حولها، وإيمانها الراسخ بأن الإنسان هو الثروة الأغلى والأبقى.

وإذا كانت الراية ترى المشهد من عليائها، فإنها لا ترى القصور والثكنات فحسب، بل ترى أيضًا المعلم في مدرسته يصنع المستقبل، والجندي على ثغره يحرس الأمانة، والطبيب في ميدانه يؤدي رسالته، والفلاح في أرضه يزرع الأمل، والأم الأردنية وهي تغرس في أبنائها معاني الوفاء والانتماء. هناك تدرك أن سر الأردن الحقيقي لم يكن يومًا في موارده، بل في إنسانه؛ الإنسان الذي جعل من التحديات فرصًا، ومن الصعاب جسورًا نحو الإنجاز.

وفي هذه المناسبة الوطنية الخالدة، نقف إجلالًا لتاريخ من المجد، واعتزازًا بحاضر من العطاء، وثقة بمستقبل تصنعه سواعد الأردنيين وعزيمتهم. نستحضر الثورة وهي تشعل شعلة الحرية، والجيش وهو يحرسها، والقيادة الهاشمية وهي تمضي بها نحو آفاق أرحب من البناء والتقدم.

حفظ الله الأردن عزيزًا منيعًا، وأدام على أرضه نعمة الأمن والاستقرار، وحفظ جيشه العربي المصطفوي وقيادته الهاشمية، لتبقى راية الثورة خفاقة في سماء المجد، شاهدة على تاريخ صنعه الأبطال، ومبشرة بمستقبل يليق بوطنٍ لم يعرف إلا العزة طريقًا، ولا الكرامة عنوانًا

زر الذهاب إلى الأعلى