
ملاحم البطولة تحت ظلال النكسة
بقلم: المستشار / جميل سامي القاضي
في التاريخ لحظات قاسية تلقي بظلالها الثقيلة على الأمم، حتى تكاد تحجب ما فيها من نور ، وكانت نكسة حزيران عام 1967 واحدة من تلك اللحظات التي غطى دخانها على مشاهد البطولة، وأخفى تحت ركام الهزيمة قصصا من الفداء والشجاعة قل نظيرها في تاريخ الحروب الحديثة.
فحين تذكر النكسة، تتجه الأنظار إلى الخرائط التي تبدلت، وإلى الأرض والمدن والقرى التي سقطت، وإلى مرارة الخسارة التي هزت الوجدان العربي لكن ما لا يقال بالقدر الكافي المنصف هو أن النكسة لم تكن غيابا للبطولة، بل كانت هناك بطولات كثيرة حاصرتها الظروف، وطغت عليها النتائج ، فغابت عن الذاكرة العامة وان بقيت حية في سجلات التاريخ العسكري.
تحت ظلال النكسة، وقف الجيش العربي الأردني يقاتل في القدس وجنين ونابلس والخليل، دفاعا عن الأرض والعرض والكرامة رغم ان المعركة لم تكن متكافئة، ولم تكن موازين القوى عادلة، لكن الرجال الذين حملوا شرف البندقية الأردنية لم يقيسوا واجبهم بحسابات الربح والخسارة، بل بميزان الشرف العسكري والانتماء الوطني.
ففي تل الذخيرة، تحولت ثلة من الجنود الابطال إلى أسطورة من الصمود ، هناك قاتل الأردنيون حتى آخر طلقة وآخر نفس، وسقط معظم أفراد السرية شهداء وهم متمسكون بمواقعهم لم تكن تلك معركة من أجل موقع عسكري صغير، بل كانت دفاعا عن القدس نفسها، وعن معنى الثبات حين تتهاوى الموازين.
وفي جنين، دوت أصوات الدبابات الأردنية وهي تخوض معركة شرسة ضد قوات متفوقة عددا وعدة وعلى أرض فلسطين في نابلس والخليل و طولكرم ، سطر الجنود البواسل من جيشنا العربي الاردني فصولا أخرى من المقاومة والإصرار، مؤكدين أن الجندي الأردني يقوم بواجبه مهما كانت الظروف.
اما القدس ، فبقيت شاهدة على رجال قاتلوا عند أسوارها وأبوابها وأحيائها، وارتقوا شهداء وهم يدافعون عن المدينة التي كانت وما تزال جزءا من عقيدة الأردن وتاريخه ووجدانه.
لقد كانت النكسة قاسية بما يكفي لتطغى على هذه البطولات، لكنها لم تستطع أن تمحوها فالتاريخ لا يقيس الرجال بنتائج المعارك فقط ، بل بما قدموه من تضحيات وما أظهروه من ثبات وإيمان ولهذا بقيت معارك القدس وجنين وطولكرم ونابلس شاهدة على أن الهزيمة العسكرية لا تعني هزيمة المقاتل الذي يؤدي واجبه حتى النهاية.
وربما كانت أعظم دلالة على تلك البطولات أنها لم تبق حبيسة الرواية العربية وحدها، بل وجدت طريقها إلى شهادات الخصوم أنفسهم، الذين اعترفوا بضراوة القتال الأردني وبحجم التضحيات التي قدمها جنود وضباط القوات المسلحة الاردنية الجيش العربي ،وحين تأتي الشهادة من الطرف الآخر، فإنها تتحول إلى وثيقة تاريخية لا يرقى إليها الشك.
لقد كانت تلك الملاحم بذورا زرعت في أرض الألم، لكنها أثمرت بعد أقل من عام في معركة الكرامة، حين نهض الجيش العربي من تحت ركام النكسة ليؤكد أن الإرادة لا تهزم، وأن الجيوش العظيمة قد تتعثر، لكنها لا تسقط ما دام فيها رجال يؤمنون بوطنهم وقضيتهم.
وهكذا وعلى مر الزمن تبقى بطولات وتضحيات الجيش العربي الأردني في القدس وجنين ونابلس وفلسطين صفحات ناصعة في سجل الشرف الوطني ، ملاحم وبطولات كتبها الرجال بدمائهم تحت ظلال النكسة، لكنها بقيت مضيئة في ذاكرة الوطن، شاهدة على أن البطولة الحقيقية لا يصنعها النصر وحده، بل يصنعها الثبات حين يفر الآخرون، والتضحية حين يصبح البقاء في الموقع طريقا إلى الشهادة.
تحية خالدة لأبطال الجيش العربي الاردني وشهداء الوطن ، وتحية للأردن الذي لا تنكسر عزيمته ، وتحية لقيادته الهاشمية المظفرة تحت راية جلالة القائد الاعلى الملك عبدالله الثاني بن الحسين المعظم






