
قراءة نقدية في ثلاثية مقالات حمادة فراعنة حول مؤتمر فتح الثامن
تشكّل الحلقات الثلاث التي كتبها حمادة فراعنة في جريدة القدس حول مؤتمر فتح الثامن مادةً صحفية تحليلية ذات قيمة توثيقية لافتة، يكتبها صاحب خبرة عملية طويلة في الشأن الفلسطيني الداخلي. غير أن قيمتها التوثيقية لا تُعفيها من نقد منهجي جدي يطال البنية التحليلية والمنطق الاستدلالي وبعض التناقضات الداخلية.
- نقاط القوة
على صعيد التوثيق والمعرفة الداخلية، تتميز الحلقات الثلاث بغنى المعطيات التنظيمية الدقيقة، من تحليل ابعاد أسماء أعضاء اللجنة المركزية المنتخبين وترتيبهم، إلى التحليل الجغرافي لتمثيل غزة والضفة والشتات، وهذا النوع من المعرفة الداخلية الدقيقة نادر ويمنح الكاتب مصداقية في هذا الملف تحديداً.
على صعيد الجرأة في التشخيص، لا يتهرب فراعنة من ذكر إخفاقات فتح صراحةً، من الهزيمة أمام حماس في انتخابات 2006 إلى الانقسام الفلسطيني إلى الفشل في استعادة غزة، وهذا التشخيص الصريح يمنح الكتابة مصداقية تفتقر إليها كثير من الكتابات المنافحة عن الحركة.
على صعيد الاستنتاج البنيوي، الملاحظة الهامة المتعلقة بغياب أي عضو من خارج فلسطين عن اللجنة المركزية هي استنتاج بالغ الأهمية يكشف عن تحول عميق في طبيعة الحركة من حركة تحرر وطني ذات امتداد عالمي إلى تنظيم سلطوي محلي.
ثالثاً: الإشكاليات المنهجية والتناقضات الداخلية:
أولاً: التناقض بين التبجيل والنقد.
تبدأ الحلقات بلغة احتفالية واضحة تصف المؤتمر بأنه “محطة سياسية هامة لها ما بعدها”، وتُعدّد إنجازات فتح التاريخية بأسلوب يقترب من البيان الرسمي أكثر من التحليل النقدي المستقل. ثم تنتقل في الحلقة الثانية والثالثة إلى نقد جريء يصل حد الاعتراف بإخفاقات بنيوية. هذا التذبذب بين التبجيل والنقد يُربك القارئ ويجعله يتساءل: هل هذه قراءة نقدية مستقلة أم قراءة من داخل الحركة تنتقدها من باب الوفاء لا من باب التشخيص الموضوعي؟
ثانياً: إشكالية التأطير التاريخي المتحيز
تُقدّم الحلقات السردية التاريخية لفتح بأسلوب انتقائي واضح. فاتفاق أوسلو يُذكر بوصفه “إنجازاً استراتيجياً” ناتجاً عن “تحول استراتيجي”، دون أي اعتراف بالنقاشات العميقة التي أثارها هذا الاتفاق حول طبيعة التنازلات المقدّمة وما أفضى إليه من نتائج. كذلك توصف الانتفاضة الثانية بأنها “أرغمت شارون على فكفكة المستوطنات في غزة”، وهو توصيف يختزل قراءة الانسحاب الإسرائيلي من غزة في سردية مجحفة بحق قراءات أكثر تعقيداً لدوافع هذا الانسحاب.
ثالثاً: التناقض في تقييم السلوك الإسرائيلي
في الحلقة الثانية، يُلاحظ فراعنة أن إسرائيل “لم تسعَ لإعاقة المؤتمر ولم تمنع انعقاده”، ويعتبر ذلك دليلاً على قبولها لنتائجه. وهذا الاستنتاج مثير للجدل: فهل قبول إسرائيل بانعقاد المؤتمر دليل على أن نتائجه لا تُهددها؟ أم على العكس أن الحركة بعد مؤتمرها باتت أقل تهديداً لمشروع الاحتلال مما كانت عليه؟ هذا السؤال الجوهري يطرحه الكاتب ضمنياً لكنه لا يُجيب عنه بوضوح.
رابعاً: إشكالية خيار “المقاومة الشعبية السلمية”
في الحلقة الثالثة، يرصد فراعنة تحولاً جوهرياً في خيار الحركة من الكفاح المسلح إلى “المقاومة الشعبية السلمية”، ويُقدّم ثلاثة أسباب لهذا التحول. غير أن هذا التحليل يفتقر إلى النقد الضروري: فهل خيار المقاومة الشعبية السلمية هو خيار استراتيجي مدروس بديلٌ حقيقي، أم أنه تكريس أيديولوجي لعجز هيكلي نتج عن اندماج كوادر الحركة في مؤسسات السلطة وما أفرزه من قيود؟ الكاتب يصف هذا التحول دون أن يُقيّمه نقدياً بما يكفي.
خامساً: غياب صوت الشارع الفلسطيني
تنصبّ القراءة الثلاثية على النخب التنظيمية وأعضاء اللجنة المركزية والمؤتمرين، دون أي مرجعية لموقف القواعد الفلسطينية وعموم الشعب من هذا المؤتمر ونتائجه. وفي مرحلة يُعاني فيها الشعب الفلسطيني من كارثة إنسانية غير مسبوقة، يبدو التركيز على التفاصيل التنظيمية وترتيب أسماء المنتخبين مفارقاً لبعض الأولويات.
رابعاً: الاستنتاج الأكثر جرأة الذي يتجنبه الكاتب
تقود معطيات الكاتب نفسها إلى استنتاج لا يُصرّح به: أن مؤتمر فتح الثامن يُثبّت تحول الحركة من حركة تحرر وطني إلى حزب سلطة محلي يعمل ضمن سقف الاحتلال لا خارجه، وأن هذا التحول يتجلى في: غياب الشتات عن اللجنة المركزية، واعتماد خيار المقاومة السلمية بديلاً عن الكفاح، والتنسيق الأمني الذي وصفه الرئيس بأنه “مقدس”، وقبول إسرائيل بانعقاد المؤتمر. فراعنة يقترب من هذا الاستنتاج ثم يتراجع عنه، وهذا التراجع هو ربما أكثر ما يستحق الوقوف عنده.
خلاصة
تبقى ثلاثية فراعنة وثيقةً صحفية ذات قيمة توثيقية عالية وجرأة نقدية لافتة ضمن سياقها. لكنها تظل قراءةً من داخل منظومة السياسة الفلسطينية التقليدية، تنتقد الحركة دون أن تتقدم الى الاستنتاج الأعمق الذي تقود إليه معطياتها: أن المؤتمر الثامن ربما يُعلن نهاية مرحلة فتح بوصفها حركة تحرر وبداية مرحلة فتح بوصفها حزباً في سلطة تحت الاحتلال. والكاتب الذي يمتلك الأدوات و- الخبرة الممتدة لما يزيد على أربعة عقود – ليقول ذلك، يختار ألا يقوله كاملاً والى نهاياته، وهذا الاختيار في حد ذاته يستحق التأمل.






