
إلى الضمير الثقافي العربي
احمد يونس اليازوري
ما يدفعنا اليوم الى رفع هذا النداء ليس مجرد قلق عابر، بل ادراك عميق بان مهنة صناعة الكتاب تقف عند منعطف خطير يهدد وجودها ذاته، هذه المهنة التي كانت عبر التاريخ وعاء ذاكرتنا، ومرآة حضارتنا، واداة تشكيل وعينا، لم تعد تحتمل مزيدا من الاهمال او التاجيل،
ان الكتاب ليس سلعة عادية، بل هو سجل الامة الحي، الذي حفظ تاريخها، وصان لغتها، ونقل علومها الى العالم، ومن خلاله اسهم العرب يوما في بناء صروح المعرفة الانسانية، وقدموا للانسانية اعظم ما انتجته العقول من فكر وفلسفة وعلوم، كما شكلت الرواية والشعر والادب عبر العصور روح الحياة اليومية للناس، ومتنفسهم، ومرآة مشاعرهم وافكارهم، ووسيلتهم لفهم انفسهم والعالم من حولهم، وكان الكتاب الحاضن الاول لهذه الابداعات، والوثيقة الاهم التي حفظتها ونقلتها جيلا بعد جيل،
واليوم، ونحن نرى هذا الارث يتعرض للتاكل، يصبح واجبنا مضاعفا، ان نحفظ ما تبقى، وان نعيد الاعتبار لما شكل وجداننا وهويتنا، فالكتاب ليس مجرد وعاء للمعرفة، بل وثيقة بالغة الاهمية، توثق حياة الامم وتفاصيلها، وتحفظ ذاكرتها من الضياع،
لقد تعرضت صناعة الكتاب لسلسلة من الضربات القاسية، ازمات اقتصادية خانقة، وارتفاع تكاليف الانتاج، وتراجع القدرة الشرائية، واضطراب سلاسل التوريد، وتحولات رقمية متسارعة لم تواكب برؤية متوازنة، ومع كل ذلك، بقي الكتاب الورقي صامدا، لانه ليس مجرد حبر على ورق، بل علاقة وجدانية لا يمكن استبدالها، رائحة الصفحات، وملمسها، وطقوس القراءة التي تربط الانسان بذاكرته وذاته وتاريخه،
غير ان الواقع اليوم ينذر بالخطر، دور نشر تتراجع او تغلق، مطابع تتوقف، موزعون يرزحون تحت الاعباء، ومعارض كتب تفقد بريقها او تتعرض للتقليص، وخلف هذه الصورة، الاف العاملين في هذا القطاع يواجهون مصيرا مجهولا، ومجتمع باكمله مهدد بفقدان احد اهم اعمدته الثقافية،
ان التعامل مع الكتاب على انه ترف ثقافي لم يعد مقبولا، بل هو خطا استراتيجي يدفع ثمنه الجميع، فالامم لا تبنى بالاقتصاد وحده، بل بالوعي، ولا يصان الوعي دون كتاب،
ومن هنا، فاننا نوجه نداء صريحا الى كل المعنيين، الى الحكومات العربية، والمؤسسات الثقافية، واتحادات الناشرين، والمنظمات الدولية، والى كل مثقف وقارئ وفاعل في هذا المجال، تحملوا مسؤولياتكم التاريخية، واجعلوا انقاذ صناعة الكتاب اولوية لا تقبل التاجيل، ادعموا النشر، وساندوا الانتاج، واحموا الكتاب باعتباره ركيزة من ركائز الامن الثقافي،
المطلوب اليوم افعال حقيقية، دعم مباشر لصناعة النشر وتخفيف الاعباء عنها، وتشجيع اقتناء الكتاب وتعزيزه في البيوت والمدارس، واطلاق مبادرات عربية مشتركة تعيد للكتاب مكانته، وبناء منظومة توزيع حديثة تضمن وصوله الى كل قارئ،
ان حماية الكتاب هي حماية للذاكرة، وصون للهوية، واستثمار في مستقبل الاجيال، الصمت في هذه اللحظة تخلي، والتاجيل خسارة لا يمكن تعويضها، فالكتاب اذا تراجع تراجعت معه الامة، واذا نهض نهضنا جميعا،
تحركوا اليوم، فالغد لن ينتظر،
الناشر احمد يونس اليازوري






