
الكوريوغرافيا (تصميم الرقصات) بوصفها لغة درامية وأزمة مسرحية في الأردن
الشاهين الإخباري – دعاء خلف
ثمة لحظة في المسرح لا يُنساها من شهدها: حين يقف ممثل في منتصف الخشبة، ويبدأ جسده بالتحرك ببطء مدروس، وتغيب الكلمة تماماً، ولا يملأ الفضاء سوى إيقاع الحركة وصمتها المتوتر. رأيتُ ذات مرة عرضاً مسرحياً لا يحضرني منه الآن أي حوار، لكنني أذكر بدقة كيف انحنى جسد الممثل على نفسه في خاتمة المشهد، كأن العالم أثقل من أن يُحمل منتصباً. لم يقل شيئاً. لكنه قال كل شيء.
هذه اللحظة تكشف عن حقيقة يعرفها المسرح منذ نشأته، لكن النظرية الحديثة باتت تدرسها بمصطلحات أكثر دقة: أن الجسد الإنساني، حين يُوجَّه بوعي فني وجمالي، يصبح نظاماً متكاملاً للمعنى، لا أداةً لتوصيل الكلام. وهنا يكمن جوهر الكوريوغرافيا الدرامية، ذلك الفن الذي يُعامل الحركة معاملة النص، ويُصمم الفضاء الجسدي كما يُصمم المعمار: بحسابات دقيقة وبصيرة إبداعية.
غير أن الإشكالية تبرز حين ننظر إلى السياق المحلي. المسرح الأردني الذي أنتج تجارب لافتة على مدى عقود، ولا يزال يحمل طاقة إبداعية رغم كل شيء، يعاني من أزمة هيكلية في علاقته بالكوريوغرافيا. ليست مجرد ثغرة تقنية، بل هي غياب رؤوي أعمق: غياب فهم أن الجسد على الخشبة ليس ناقلاً محايداً للنص، بل هو نص بذاته. وحين تغيب هذه الرؤية، لا يخسر المسرح جمالية بصرية فحسب، بل يفقد طبقة كاملة من المعنى الذي كان يمكن أن يصل إلى المتلقي بطريقة لا تستطيع الكلمة وحدها أن تبلغها.
الكوريوغرافيا، في سياقها المسرحي، ليست مرادفة للرقص. هذا الخلط الشائع مسؤول بنسبة كبيرة عن تهميشها. الكوريوغرافيا الدرامية هي فن تصميم الحركة بوصفها خطاباً بصرياً درامياً: كيف يمشي الشخص، وأين يقف، وكيف يقترب من الآخر أو يبتعد، وما الإيقاع الزمني الذي تنتظم فيه أجساد الممثلين في الفضاء. إنها اللغة التي تتحدث قبل الكلام وبعده وأحياناً بدلاً منه.
مفهومياً، يمتد جذر هذا الفن إلى إدراك أن الجسد البشري يحمل ذاكرة ثقافية وعاطفية لا يستطيع اللسان وحده استدعاءها. حين نرى شخصاً يُحدّب كتفيه قليلاً ويُبطئ خطواته، يتفعّل في أذهاننا مخزون من التأويل الجسدي المتراكم: الهزيمة، التعب، الوطأة الداخلية. هذه المعرفة الضمنية هي ما تستغلها الكوريوغرافيا الدرامية، حين تصوغ الحركة بدقة تتجاوز العفوية وتصنع الدلالة بوعي تام.
تاريخياً، تطورت الكوريوغرافيا في سياق المسرح من الأدوار الهامشية نسبياً في المسرح الكلاسيكي، حيث كانت الحركة تخضع في الغالب لمنطق الديكور والأداء التقريري، إلى مكانة محورية في مسرح القرن العشرين. مع بريخت، أصبح الجسد وسيلة للتأثير البنائي وكسر الوهم الدرامي. مع غروتوفسكي، صار الممثل الجسد في تدريب قصوي يحوّل اللحمة البشرية إلى أداة درامية صافية. ومع الموج الأوروبي من المسرح ما بعد الحداثي، تحولت الكوريوغرافيا إلى بنية آيديولوجية: الجسد يُقاوم، يُعاني، يُجسّد السلطة ويُعريها.
أتأمل أحياناً كيف أن الثقافات التي تحتضن الجسد أكثر في طقوسها وحياتها اليومية، تنتج حساسية مختلفة نحو الحركة الدرامية. ليس هذا مجرد تأمل طارئ: إنه يعني أن تطوير الكوريوغرافيا المسرحية لا يمكن أن يكون مجرد استيراد تقني، بل يحتاج إلى جذور في طريقة تفكير الثقافة بجسدها وحضورها.
من أبرز ما تقدمه الكوريوغرافيا الدرامية هو قدرتها على إنقاذ النص الضعيف، أو بالأصح: تعويض ما تقصر عنه الكلمة. حين يكون الحوار مباشراً لا يفعل سوى توصيل المعلومة، تستطيع الحركة المُصمّمة أن تضخ تحتها طبقة من التوتر والمعنى الدرامي. تخيّل مشهداً يقول فيه الأب لابنه “أنا آسف”. هذه الجملة، في ذاتها، مُنجزة لكنها مسطّحة. أما حين يُصمَّم هذا المشهد ليكون الأب يتحرك نحو الابن بخطوات متقطعة، يمد يده ثم يسحبها، يُعيد محاولة التقريب في إيقاع متعثر، يقف أخيراً في مسافة غير مريحة تماماً لا قريبة ولا بعيدة، فإن جملة الاعتذار تكتسب ثقلاً وتعقيداً يتجاوز ما تقوله الكلمات.
هذا ما يُسمى في الدراسات الأدائية بـ”فائض المعنى الجسدي”: أن الجسد يحمل مع الكلمة ما تعجز الكلمة عن حمله وحدها. والكوريوغراف الدرامي المدرك يعرف متى يدع الجسد يتقدم على النص ومتى يتركه يردفه.
في عروض كثيرة من المسرح التعبيري الأوروبي، وبعض تجارب مسرح الحركة الآسيوي، يتقلص الحوار ويتمدد الجسد ليملأ الفراغ الدرامي. في مثل هذه العروض، يصل المشاهد أحياناً إلى حالة تلقٍ مختلفة نوعياً: لا يعالج المعلومات، بل يستوعب التجربة بطريقة أقرب إلى الحضور الجسدي المباشر. ثمة نوع من التواصل يحدث هنا لا يستلزم ترجمة ذهنية، لأن الجسد البشري يفهم الجسد البشري بطريقة سابقة للمفاهيم.
في السياق الدرامي الأكثر تقليدية، تعمل الكوريوغرافيا بشكل مختلف لكن بنفس الفعالية: أن تُعمّق شخصية ما نعرفه عنها نصياً من خلال الطريقة التي تحتل بها المساحة. شخصية تهيمن على منتصف الخشبة في كل مشهد تقول بجسدها ما يقوله الحوار. لكن شخصية تجلس دائماً في الأطراف، وتتحرك بزوايا مائلة كأنها تتجنب الخطوط المباشرة، تُخبرنا شيئاً لا يمكن للحوار وحده أن يُوصله بنفس الكثافة.
حين نتأمل المشهد المسرحي الأردني، نجد أنفسنا أمام حالة تستحق أن تُدرس بصراحة ودون مجاملة. الكوريوغرافيا في المسرح الأردني غائبة بشكل لافت ليس لأن أحداً قرر تهميشها، بل لأن منظومة كاملة لا تعترف أصلاً بأن ثمة ما يمكن تهميشه. غيابها هو في الغالب غياب الوعي بها.
أبدأ من المشكلة الأكثر جذرية: التعليم. المعاهد الفنية والأكاديميات التي تُعنى بالمسرح في الأردن لا تُدرج الكوريوغرافيا الدرامية ضمن مناهجها بشكل منهجي وجدي. قد يُدرَّس الرقص الشعبي أو بعض أسس الحركة الأدائية، لكن ذلك يختلف جذرياً عن تدريب متخصص في تصميم الحركة كلغة بصرية درامية. النتيجة الحتمية: أجيال متعاقبة من الممثلين والمخرجين لم يُشكَّل لديهم أصلاً المفهوم الكافي لهذا الفن، ولا أدواته النقدية.
تترتب على ذلك أزمة ثانية: نقص الكفاءات المتخصصة. المشهد يفتقر إلى كوريوغرافيين درامية مؤهلين تأهيلاً فعلياً. من يحضر بهذه الصفة في العروض المسرحية يكون في أحيان كثيرة راقصاً أعاد توجيه نفسه، أو مخرجاً انتبه إلى بعد الحركة دون دراسة منهجية له. ليس هذا انتقاصاً من الجهد الفردي، بل هو وصف لغياب البنية التحتية المعرفية التي تُنتج مختصين فعليين.
تزيد الطين بلة أزمة التوثيق. المسرح بطبيعته فعل آني عابر، لكن هذه الطبيعة تجعل الأرشيف ضرورة لا ترفاً. حين لا تُوثَّق الحركة الأدائية في العروض الأردنية لا فيلمياً ولا كتابةً نقدية، لا تتراكم ذاكرة جمالية يمكن البناء عليها. كل جيل يبدأ من الصفر، أو بالأصح من ذكريات شخصية متفرقة ورؤى غير موثقة. وهذا يعني أن التطور النوعي يظل بطيئاً ومتقطعاً.
لكن ثمة بُعد أكثر حساسية لا يُذكر بصراحة كافية في حوارات الوسط المسرحي: أثر البنى الاجتماعية على المشهد الثقافي. حين تكون الفرص المسرحية توزَّع أحياناً بمنطق الشبكات الاجتماعية والمعارف أكثر منه منطق الكفاءة الفنية، فإن الاختصاصيين الحقيقيين الذين لا يملكون هذه الشبكات يُهمَّشون. والأخطر من ذلك أن المخرج أو المنتج قد يستغني عن كوريوغراف متخصص لا يعرفه، ليعطي الدور لشخص مألوف أقل تأهيلاً. هذه الديناميكية ليست حكراً على المسرح، وليست ادعاءً لفساد ممنهج، لكنها سمة تُبطئ التطور الفني وتُثبّط أصحاب الكفاءة الحقيقية.
أعترف أن هذا الجزء من الصورة يُثير لديّ شيئاً يقع بين الإحباط والحيرة. نحن نمتلك مواهب، ونمتلك تراثاً جسدياً ثرياً في موروثنا الشعبي والديني والاحتفالي. لكن هذه الثروة لا تجد طريقها بشكل كافٍ إلى الخشبة المسرحية المعاصرة، وتظل طاقة كامنة غير محوّلة.
لفهم جذور هذه الأزمة، لا يكفي رصد الظواهر الخارجية. ثمة منطق داخلي يُعيد إنتاجها. المسرح الأردني ورث في مراحل تكوينه نموذجاً دراميا يُعلي من شأن النص الأدبي، ويرى في الممثل في المقام الأول قارئاً وناقلاً للكلام. هذا النموذج، حين يترسّخ دون مساءلة، يُنتج بالضرورة إهمالاً للغات الأخرى، ومنها لغة الجسد والحركة الكوريوغرافية.
في المقابل، تجارب مسرحية من دول الجوار العربي كلبنان والمغرب ومصر، وإن ظلت هي الأخرى بعيدة عن النضج الكامل في هذا المجال، أنتجت فضاءات بحثية وتجريبية أتاحت للكوريوغرافيا أن تُجرَّب وتُساءَل. ما يمكن استيعابه من هذه التجارب ليس نماذجها بعينها، بل ثقافة التجريب نفسها: إن ترك مساحة كافية للفشل الإبداعي والمساءلة النقدية هو الشرط الأساسي لأي نضج فني.
على الصعيد العملي، ثمة حلول قابلة للتطبيق دون انتظار معجزات هيكلية. أولها إدراج منهج كوريوغرافيا درامية متخصص في المعاهد الفنية، يختلف نوعياً عن تدريس الرقص، ويربط الحركة بالدراما والبنية الدرامية. ثانيها استحداث برامج تدريبية مشتركة تجمع مخرجين وممثلين وكوريوغرافيين في مراحل الإعداد للعروض، لتكوين لغة مشتركة بينهم. ثالثها بناء أرشيف منهجي للعروض المسرحية بما يشمل توثيق الحركة والتصميم الجسدي، وليس الاكتفاء بالتوثيق النصي والصوري العام. ورابعها، وهو الأكثر أهمية: إعادة تأهيل الخطاب النقدي المسرحي ليضم بجدية معيار الكوريوغرافيا ضمن أدوات تقييم العرض، لأن النقد حين يُطالب، يُلزم.
أعود إلى تلك اللحظة في المسرح حين انحنى الجسد على نفسه ولم يقل شيئاً، أو قال كل شيء. هذه اللحظة ليست استثناءً: إنها دليل على ما يمكن أن يكونه المسرح حين يُعامَل الجسد بالجدية التي تستحقها.
الكوريوغرافيا الدرامية ليست زينة تضاف على العرض حين تتوافر الميزانية والوقت. إنها جزء من البنية الأصلية للحدث المسرحي. حين تغيب، لا يصبح العرض مجرد أقل جمالاً، بل أقل عمقاً في معالجته لما هو إنساني. لأن الإنسان لا يتكلم بلسانه وحده، ولم يفعل في يوم من الأيام.
المسرح الأردني يمتلك إرادة الاستمرار، وهذا ليس إنجازاً صغيراً في بيئة لا تُكثر من دعمه. لكن الاستمرار وحده لا يكفي إذا لم يتحول إلى مراجعة حقيقية لما ينقصنا. التشخيص الصادق هو نقطة البداية، لا نهايتها. والخطوة التي تليه هي الإرادة على تحويل هذا التشخيص إلى مناهج وبرامج وسياسات ثقافية لا تكتفي بإنتاج عروض، بل تبني كفاءات وتُراكم ذاكرة وتُعلّم الأجساد كيف تتكلم.
حين يصبح ذلك ممكناً، لن تكون اللحظة التي ينحني فيها الجسد على الخشبة ويصمت استثناءً لافتاً. ستكون توقعاً مشروعاً لما يستطيعه المسرح.







