أقلام حرة

في الذكرى السنوية للراحل سميح عبد الفتاح (أبو هشام براغ)

د. اسعد عبد الرحمن

في مثل هذه الذكرى، لا نكتب لنؤبّن رجلًا…بل لنختبر إن كان فينا ما يكفي من الوفاء لنرتقي إلى مستواه.
نستدعي أبا هشام، لا لأنه غاب… بل لأن الغياب، في حالته، مجرد تفصيلٍ بيولوجي لا يُنهي الحضور. فهناك رجال، إذا رحلوا، بدأوا.
عرفتُ سميح عبد الفتاح -أبا هشام – لا من موقع العابرين، بل من قلب العمل، ومن داخل المساحات التي تُختبر فيها النوايا قبل المواقف.فلقد كان رفيقاً ثم زميلاً ثم صديقاً كذلك. فلقد كان إلى جواري في دائرة شؤون اللاجئين في منظمة التحرير الفلسطينية، نائبًا لا يُشبه صيغة التسلسل الاداري، بل يُشبه الشراكة الثقيلة في المعنى والمسؤولية، في رفقة يومية في الطريق الى مخيمات”الضفة” أو “القطاع”، رفقة مفعمة في أحاديث الهم الوطني والنوادر والنكات والقفشات الهادفة.
لم يكن يوماً موظفًا في قضية… بل كان واحدًا من الذين يدفعون ثمنها بصمت. وكان – وهذه شهادة لا تقل أهمية – يملك روحًا خفيفة لا تتناقض مع عمق القضية، بل تُنقذها أحيانًا من جفاف الشعارات. فذاك الذي كان يقرأ التحولات الكبرى بعينٍ باردة، كان ذاته يلتقط المفارقة بابتسامةٍ ذكية، ويصوغها نكتةً لاذعة تختصر موقفًا كاملاً.
في براغ، لم يكن أبو هشام سفيرًا في عاصمة بلد، بل كان -بوعيه الثاقب- واقفًا عند مفترق تاريخي: عالمٌ ينهار… وآخر يتشكّل على أنقاضه. هناك، حيث سقطت اليقينيات الكبرى، لم يسقط هو في الوهم. قرأ التحوّل مبكرًا، وفهم أن فلسطين لن تُهزم بالسلاح فقط… بل قد تُربكها خرائط العالم الجديدة إن لم تُقرأ جيدًا.
لم يكن دبلوماسيًا يُجيد اللغة فحسب… بل عقلًا سياسيًا يعرف متى يتكلم، ومتى يكون الصمت موقفًا أعلى من الكلام… ومتى تكون النكتة — في توقيتها — أبلغ من خطاب. وأذكر، كما يذكر كثيرون، “خفة الدم” تلك التي لم تكن افتعالًا… بل طبيعة أصيلة فيه.

حين عاد إلى فلسطين بعد أوسلو، لم يعد محمولًا على نشوة العودة، بل على قلق المعرفة. كان يعرف — ونحن نعرف — أن أصعب ما في العودة… ليس الوصول، بل ما بعد الوصول.
وفي موقعه مستشارًا للأمن القومي لدى الرئيس محمود عباس، لم يكن جزءًا من الضجيج… بل كان من القلائل الذين يشتغلون على المعنى، لا على الواجهة. هكذا كان… يحوّل الطرفة إلى موقف. ودوماً، كان هادئًا… لكن هدوءه لم يكن ضعفًا، بل كان شكلًا راقيًا من أشكال القوة.
أقولها اليوم شهادةً لا مجاملة: لم أعرف أبا هشام يومًا باحثًا عن دور… بل كان الدور هو الذي يبحث عنه. لم يكن يرفع صوته… لكنه كان يُربكك إن خالفك. ولم يكن كثير الظهور… لكنه كان حاضرًا حيث يجب أن يكون الحضور. وكان — في كل ذلك — إنسانًا دافئًا، زوجاً محباً ولو مشاغباً أحياناً وأبًا يعتز بولديه، وصديقًا لا يتأخر، ورفيق دربٍ لا يُثقِل عليك حضوره… ولا يُحتمل غيابه.
نحن لا نفتقده لأنه كان معنا فقط، بل لأن نماذجه أصبحت نادرة. نفتقد رجلًا لم يبتذل القضية، ولم يحوّل العمل الوطني إلى منصة استعراض، ولم يساوم على ما لا يُساوَم عليه حتى في أصعب اللحظات. نفتقد أيضًا تلك القدرة النادرة عنده: أن تكون عميقًا دون أن تكون ثقيلًا، وحادًا دون أن تكون جارحًا، وظريفًا دون أن تفقد وقارك.
في هذه الذكرى… لا نقول: رحم الله رجلًا مضى، بل نقول: كيف نحافظ على ما مثّله؟ كيف نبقى أوفياء، لا له كشخص، بل لذلك المعيار الصامت الذي كانه؟
رحمك الله يا أبا هشام…
لم تكن رجل مرحلة… بل معيارًا تُقاس به المراحل. ومن لم يتعلّم من هدوئك… ولم يفهم رسائلك حتى حين كنت تمزح… لن تنفعه كل ضوضاء هذا العالم.

زر الذهاب إلى الأعلى